صحيفة بريطانية: الصندوق السيادي السوري يسيطر على أصول بالمليارات وسط غموض مالي
كشف تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، يوم الجمعة، عن توسع متزايد ونفوذ واسع للحقيبة الاقتصادية للصندوق السيادي السوري، لاسيما في ملف إدارة أصول الدولة والشركات التي مصادرتها من رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، وسط غياب متواصل للبيانات المالية والأرقام المعلنة عن أنشطته وقيادته.
وأشارت الصحيفة إلى أن الصندوق بات اليوم الفاعل الرئيسي والجهة الأكثر محورية في إدارة ممتلكات الدولة السورية وإبرام الشراكات والمشروعات مع مستثمرين أجانب، على الرغم من تغييب التفاصيل الفنية لأصوله وإيراداته، وعدم الكشف الرسمي عن هوية مديره التنفيذي.
50 مليار دولار وشركات مصادرة من “رجالات الأسد”
تعود جذور الصندوق السيادي السوري إلى عام 2025 عندما أنشأه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بهدف تولي زمام إدارة الممتلكات والشركات عبر قطاعات اقتصادية متنوعة، تشمل المصانع، العقارات، المراكز التجارية، والحصص المصرفية.
ونقل تقرير الصحيفة عن وزير المالية السوري تقديره لقيمة الأصول التي ينضوي عليها الصندوق بنحو 50 مليار دولار خلال العام الماضي، موضحاً أنه لم يقم حتى الآن بنشر قوائم مالية تفصيلية أو بيانات توضح بنود ممتلكاته.
وبحسب بيانات الصندوق، توفر الكيانات والأصول الخاضعة لإدارته فرص عمل لأكثر من 40 ألف شخص، فيما يزيد كادره الإداري المباشر على 270 موظفاً.
وفي هذا السياق، أكد ثائر اللحام، المدير العام لمجلس الأعمال السوري، أن الصندوق يمثل “الجهة الأكثر تأثيراً من الناحية الاقتصادية”، واصفاً إياه بـ “أغنى كيان في سوريا في الوقت الراهن”.
تركيبة القيادة وشبهات حول المدير التنفيذي
أفادت “فايننشال تايمز” بأن الصندوق يتبع مباشرة لرئيس الجمهورية ويترأس مجلسه وزير السياحة، بينما يتولى إدارته التنفيذية فعلياً “إبراهيم سكرية”، وهو يحمل الجنسيتين اللبنانية والأسترالية وتفرض عليه أستراليا عقوبات بسبب ارتباطه بتنظيم القاعدة في سوريا.
ولفتت الصحيفة إلى أن اسم سكرية يغيب كلياً عن الموقع الإلكتروني الرسمي للصندوق، رغم تأكيدات من ثلاثة أشخاص التقوا به شخصياً وأفادوا بتوليه مهام الإدارة.
وعلى صعيد ملف الأصول المستردة، نقلت الصحيفة عن لجنة حكومية مختصة باسترداد الأموال المكتسبة غير المشروعة، أن الصندوق شارك في إدارة 32 كياناً اقتصادياً كانت مملوكة لرجل الأعمال سامر فوز، في قطاعات التجارة والخدمات والمصارف.
كما امتدت سلطته لتشمل إدارة مركز تجاري في دمشق تمت مصادرته من رجلي الأعمال محمد ووسيم القطان، اللذين ارتبطت أسماؤهما بمشاريع بارزة خلال حقبة الأسد.
نزاعات وتغييرات في الهياكل الإدارية
صاحبت عمليات انتقال إدارة الكيانات الاقتصادية تغييرات جذرية في مناصب الإدارة العليا، مع الإبقاء على غالبية الموظفين في مواقعهم.
كما طفت على السطح نزاعات قانونية معقدة تتعلق بملكية بعض الأصول؛ إذ طالب مالكون سابقون باستعادة حقوقهم، وسط صعوبات في تعديل السجلات الرسمية للشركات.
وفي إحدى الحالات، أوضحت محافظة دمشق أن الصندوق أتم تسوية مع مطور عقاري سابق فقد مشروعه لصالح وسيم القطان خلال العهد السابق.
صفقات مليارية وشراكات عابرة للحدود
تطرق التقرير إلى التوسع الملحوظ للصندوق في الشراكات الأجنبية، وفي مقدمتها مشروع عقاري ضخم بقيمة 7 مليارات دولار بالتعاون مع شركة “أرادا” الإماراتية، لتشييد 11 ألف وحدة سكنية ضمن مشروع “دمشق الجديدة”، إلى جانب مرافق تجارية وتعليمية وصحية.
كما عقد الصندوق اتفاقيات مع شركة “ترياكي أغرو” التركية و”مجموعة كابلات الرياض” السعودية لتطوير أصول حيوية وإدارتها. وفي القطاع التكنولوجي والاتصالات، استحوذ الصندوق على حصة 25% في كيان سوري أسسته شركة “زين” الكويتية عقب فوزها بترخيص تشغيل شبكة المحمول بقيمة 747 مليون دولار.
وتوسعت أنشطته لتشمل تأسيس شركات جديدة، من بينها شركة للمدفوعات الرقمية بالتعاون مع “فيزا”، وأخرى لتصنيع السيارات محلياً.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع على الصفقات العقارية أن الدور الذي يلعبه الصندوق يتجاوز ممتلكاته المباشرة، ليشمل إدارة الأراضي الحكومية والتوسط بين المؤسسات العامة والمطورين العقاريين مقابل الحصول على حصص من عوائد المشروعات
ويرأس الذراع العقارية للصندوق رجل الأعمال محمد الخياط، المنتمي إلى العائلة السورية القطرية الناشطة في مجالات الطاقة والبنية التحتية داخل سوريا.
موقف الصندوق وردود الفعل
في رده على الاستفسارات التي وجهتها الصحيفة، امتنع الصندوق السيادي عن تقديم تفاصيل محددة حول حجم الممتلكات أو الإيرادات أو تركيبة إدارته، موضحاً أنه يمر بمرحلة التأسيس ويسعى تدريجياً لتطوير منظومة الحوكمة والامتثال للمعايير الدولية.
وجدد الصندوق تأكيده على أن هدفه الأسمى هو حماية وتنمية أصول الدولة، مشدداً على أن “جميع العوائد تعود ملكيتها بالكامل إلى الدولة السورية”.
من جانبه، علق جهاد يازجي، رئيس تحرير موقع “سيريا ريبورت”، بالإشارة إلى أن غياب الشفافية في مؤسسة تدير هذا الحجم المالي الهائل دون إعلان رسمي عن مديرها يثير علامات استفهام ولا يخدم جهود بناء الثقة بين الشارع والدولة.
وأضاف أن المستثمرين الخليجيين قد ينظرون بمرونة إلى التعامل مع كيان قادر على تجاوز التعقيدات البيروقراطية، حتى وإن لم يضعوا الشفافية في مقدمة أولوياتهم.
اقرأ أيضاً:الصندوق السيادي السوري يحقق بفساد محتمل في قطاع الطاقة السورية.. القبلاوي والبشير ممنوعين من السفر
اقرأ أيضاً:الصندوق السيادي السوري بعد عام.. أين تقف شفافية إدارة أموال الدولة؟