مخالفات حلب بين الهدم وأزمة السكن.. قانون يزيل الأبنية ولا يعالج جذور العشوائيات

في حلب، لا تبدو أزمة مخالفات البناء مجرد جدران شُيّدت خارج المخطط التنظيمي، بل نتيجة سنوات من الفوضى العمرانية التي تمددت على حساب الطرق والخدمات والأراضي العامة، حتى أصبحت المدينة أمام معادلة شائكة: أبنية يجب إزالتها حمايةً للسلامة والقانون، وسكان لا يملكون في المقابل بديلاً سكنياً يقيهم التشرد.

ومنذ أشهر، ينفذ مجلس مدينة حلب حملات لإزالة مخالفات البناء في أحياء ومناطق عدة، بينها الراشدين والمنصورة وكفر داعل والليرمون، ضمن إجراءات تستهدف وقف التوسع غير المنظم وحماية الأملاك العامة والمخطط التنظيمي. لكن هذه الحملات تفتح سؤالاً أكبر من عملية الهدم نفسها: لماذا تُركت هذه المخالفات تتراكم إلى هذا الحجم قبل أن تتحول إلى مشكلة يصعب تفكيكها؟

الهدم أسهل من معالجة أصل المشكلة

تستند إجراءات الإزالة إلى القانون رقم 40 لعام 2012، الذي يميز بين المخالفات القابلة للتسوية وتلك التي تستوجب الهدم، ولا سيما الأبنية المقامة على الأملاك العامة أو حرم الطرق أو التي تشكل خطراً على السلامة العامة.

وتقول مديرة المديرية الخدمية الخامسة في مجلس مدينة حلب، أحلام ميلاجي، إن معالجة الملف تتم وفق طبيعة كل مخالفة وموقعها، فيما تعطى الأولوية للمخالفات الحديثة باعتبار أن ضبطها أسهل قبل أن تتحول إلى أحياء كاملة.

لكن المشهد الميداني أكثر تعقيداً. فبحسب المديرية، يعثر العاملون في نحو 90% من الحالات على مواقع البناء فارغة عند وصولهم، فيما تصعّب غياب المخططات التفصيلية وتجزئة الأراضي مهمة تحديد أصحاب المخالفات.

وهكذا، يبدو أن الإدارة المحلية تتحرك غالباً بعد اكتمال المخالفة، لا قبل ولادتها؛ فتطارد البناء بعد تشييده، بينما تبقى أدوات الرقابة الوقائية أضعف من أن تمنع تمدده.

أزمة سكن تدفع الناس إلى المخالفة

لا يمكن فصل البناء المخالف عن أزمة السكن. ارتفاع الإيجارات، نقص المساكن، وعودة أعداد من النازحين والمهجرين إلى المدينة ومحيطها، كلها عوامل دفعت شرائح محدودة الدخل إلى البحث عن أي مساحة قابلة للبناء، حتى خارج التنظيم.

ويرى الخبير العقاري محمود أحمد إسماعيل أن مناطق شعبية عدة تحولت خلال العقود الماضية إلى تجمعات عشوائية تفتقر إلى شروط السلامة، فيما تعرض بعضها لاحقاً لأضرار جسيمة بفعل القصف والزلازل والانهيارات.

لكن إزالة هذه الأبنية من دون توفير بدائل آمنة تعني، عملياً، نقل الأزمة من مكان إلى آخر. فالقانون يستطيع إزالة جدار، لكنه لا يستطيع وحده توفير منزل لعائلة فقدت قدرتها على تحمل الإيجارات.

مبانٍ قد تحمل الخطر في داخلها

المشكلة لا تتعلق بالمظهر العمراني فقط. وتوضح المهندسة المدنية غنى النصر الله أن غياب دراسة التربة والأساسات قد يؤدي إلى هبوطات وتشققات تهدد استقرار البناء، فيما تشكل إضافة طوابق جديدة من دون تقييم إنشائي خطراً إضافياً على الأعمدة والأساسات.

كما أن البناء فوق شبكات المياه والكهرباء أو المرافق العامة يعرقل الصيانة ويضاعف المخاطر، في حين تؤدي الكثافة غير المنظمة إلى ضغط متزايد على الطرق والصرف الصحي وسائر الخدمات.

وبذلك، فإن المخالفة التي تبدو اليوم كـ«تجاوز تنظيمي» قد تتحول غداً إلى مشكلة إنشائية وخدمية يصعب احتواؤها.

حكومة انتقالية أمام إرث عمراني ثقيل

تضع هذه الوقائع الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار يتجاوز صلاحيات الهدم والضبط. فالمطلوب ليس فقط إزالة المخالفات، بل بناء سياسة سكن وتخطيط عمراني تمنع إعادة إنتاجها.

والأهم أن مجلس مدينة حلب لم يقدم، بعد أسابيع من طلب صحيفة «الثورة السورية» إجابات حول آليات اختيار الأبنية المستهدفة وواقع بعض المخططات التنظيمية، ما يضيف طبقة أخرى من الغموض إلى ملف يفترض أن تحكمه الشفافية.

المشكلة في النهاية ليست أن حلب تملك أبنية مخالفة فحسب؛ المشكلة أن المخالفة تحولت إلى نتيجة طبيعية لغياب التخطيط الكافي، ثم بات هدمها يبدو وكأنه الحل الوحيد.

ومن دون مخططات واقعية، ورقابة مبكرة، وبدائل سكنية للفئات الهشة، وتشدد فعلي في محاسبة المستفيدين من الفوضى العمرانية، ستظل حلب تدور في الحلقة ذاتها: بناء مخالف، ثم هدم، ثم فراغ، ثم بناء مخالف جديد.

 

اقرأ أيضاً: أبنية متضررة تنتظر الترميم.. تسهيلات جديدة وسط تعقيدات إعادة الإعمار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.