جدل واسع في سوريا بعد افتتاح مطعم داخل قلعة دمشق الأثرية.. ومخاوف من مساس للتراث العالمي

أثار افتتاح مطعم تجاري يُدعى “أبو دانيال” داخل قلعة دمشق التاريخية موجة عارمة من الجدل والانتقادات عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الثقافية، وذلك عقب تداول صور ومقاطع فيديو تظهر تثبيت لافتات وتجهيزات للمطعم على جدران الموقع الأثري المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وجاءت هذه الخطوة ضمن فعاليات “مهرجان صيف سوريا” المقام برعاية وزارة الثقافة، مما أثار تساؤلات حادة حول الجهة التي منحت الترخيص والشروط والمعايير البيئية والأثرية التي اعتُمدت لحماية القلعة.

انتقادات أكاديمية وتخوف على التراث

انتقد الأكاديميون والخبراء هذا التصرف، حيث اعتبر الدكتور عجاج سليم، الأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية، أن ما حدث ينم عن تعامل غير لائق مع الإرث الحضاري، مقارناً ذلك بالدول التي تمنع حتى التصوير بـ “الفلاش” لحماية آثارها، بينما يصل الأمر هنا إلى حفر الأثر لتعليق إعلانات تجارية.

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرزاق معاذ، الباحث في الآثار، أنه ليس ضد التوظيف الثقافي والاجتماعي لقلعة دمشق وفق دراسات ومناقصات فنية احترافية، لكنه أكد أن ما جرى يمثل تجاوزاً صريحاً يسيء لموقع أثري عالمي. ودعا معاذ إلى تعزيز استقلالية مديرية الآثار وإعادة إسناد ملفات الترميم والهندسة لأصحاب الاختصاص والخبرة.

سخرية وتساؤلات حول حدود الاستثمار

من جهته، عبّر الصحفي خالد معماري عن صدمته بأسلوب ساخر، مشيراً إلى أنه ظن الصور للوهلة الأولى مصممة عبر “الذكاء الاصطناعي”، قبل أن يتأكد من صحتها. واستحضر معماري التاريخ العريق للقلعة التي شهدت حقب السلاجقة ونور الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي، متسائلاً عن المفارقة بين هذا التاريخ وبيع “البيتزا” داخلها اليوم.

وبعيدا عن السخرية، أثارت الصور أيضا تساؤلات حول طبيعة بعض التجهيزات وطريقة تثبيتها بالقرب من الجدران الأثرية، وسط مخاوف من احتمال المساس بالحجر، إلا أن هذه المخاوف لا يمكن تحويلها إلى اتهام مؤكد من دون فحص الموقع أو صدور توضيح من الجهات المختصة.

وتعيد القضية فتح النقاش حول حدود الاستثمار في المواقع الأثرية، فإقامة فعالية ثقافية أو سياحية داخل موقع تاريخي ليست مرفوضة بحد ذاتها، ويمكن أن تساهم في تعريف الجمهور بتراثه وتنشيط السياحة، لكن ذلك يفترض وجود ضوابط واضحة تضمن عدم الإضرار بالمبنى أو تغيير هويته البصرية والتاريخية.

المشكلة، كما يراها منتقدو الخطوة، ليست في مطعم “أبو دانيال” بحد ذاته، وإنما في السؤال الأوسع: هل يجري توظيف القلعة لخدمة الثقافة والسياحة، أم توظيف قيمتها التاريخية لخدمة النشاط التجاري؟

فقلعة دمشق ليست مجرد مساحة يمكن تعليق لافتة عليها، بل جزء من ذاكرة المدينة وتاريخها، ولذلك فإن أي استثمار فيها يحتاج إلى شفافية كاملة حول الجهة التي وافقت عليه، وطبيعة الترخيص، والمعايير التي وضعت لحماية الموقع.

إقرأ أيضاً: سرقة في المتحف الوطني بدمشق تطال القسم الكلاسيكي الأغنى في سوريا

إقرأ أيضاً: من درعا إلى دمشق.. شبكات تهريب الآثار تنشط في الجنوب السوري

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.