دراسة حديثة ترصد المعاناة الخفية للنساء السوريات المعيلات لذوي
في مشهد يومي يتكرر بصمت في سوريا والأردن ولبنان، تتكفل النساء والفتيات بمهام رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة وحدهن بالكامل، وسط غياب شبه تام للدعم المؤسسي والرعاية المستدامة. هذا ما ألقَت الضوء عليه دراسة حديثة أُجريت استناداً إلى مقابلات ميدانية مكثفة، كشفت عن ثغرة بنيوية في الخطط الإنسانية تتعامل مع الأسرة كمصدر افتراضي ومجاني لتقديم الرعاية، متجاهلة التضحيات الجسدية والنفسية والاقتصادية الهائلة التي تتكبّدها النساء.
من يتحمل العبء؟ غياب الدعم وتهميش دور المرأة
أظهرت المقابلات التي أجرتها منظمة “الإنسانية والإدماج” (Humanity & Inclusion – HI) خلال شهري آب وأيلول من عام 2026 مع مقدمي الرعاية، أن النساء يمثلن أكثر من 95% من إجمالي الأفراد الذين يتولون هذه المسؤولية داخل الأسر السورية.
-
غياب الشراكة: في 50% من الحالات، تتحمل المرأة معظم أو كل خدمات الرعاية اليومية بمفردها تماماً، لعدم وجود شخص بالغ آخر يساعدها أو يرغب بتقاسم هذا العبء.
-
الواقع المفروض لا المختار: لا تختار النساء هذا الدور بإرادتهن الحرة، بل يُفرض عليهن كواقع افتراضي محتوم بحكم النوع الاجتماعي وأوضاع الأسرة. وكما عبرت أم من حلب تعاني ابنتها من إعاقة شديدة: “أنا أمها، ولهذا سأظل أعتني بها وأقف بجانبها، مهما كان الأمر متعباً، ولكن الأم وحدها لا تستطيع تحمل كل شيء.”
توريث الرعاية: التضحية بمستقبل الشابات
حين تعجز الأمهات عن تحمل قسوة العبء المادي والجسدي، تنتقل المسؤولية قسراً إلى الجيلات الأصغر:
-
الأبناء البنات: تضطر الفتيات الصغيرات لتولي زمام الأمور؛ إذ ذكرت فتاة بعمر 14 عاماً من حلب أنها باتت تتحمل جزءاً ضخماً من المسؤولية بعد تعب والدتها، وذلك قبل توجهها إلى المدرسة مباشرة.
-
تضحيات دراسية ومهنية: تسببت ظروف الهجرة والانفصال في تفاقم الأزمات؛ فاضطرت شابة تبلغ 24 عاماً لترك دراستها والعودة إلى سوريا لرعاية والدتها المتراجعة صحياً. كما تعزف بعض الشابات (مثل قصة شابة في الخامسة والعشرين تربي ابن أختها) عن التفكير بالزواج خشية الإضرار بالطفل الذي ترعاه، مما يقضي على فرصهن وخياراتهن المستقبلية.
خرافة “الرعاية الطوعية” والعودة التي لا تنهي المعاناة
تصف بعض مقدمات الرعاية عملهن بأنه “اختيار طبيعي”، مثل خالة تمضي ست ساعات يومياً في رعاية ابن أختها منذ تسع سنوات، متكبّدة آلاماً مبرحة في الظهر والرقبة وحزناً دفيناً بلا أي دعم نفسي. لكن هذه “الطواعية” لا تُلغي التبعات الثقيلة، ولا تجعل الرعاية مرئية في السجلات الرسمية.
وعلى صعيد العودة الوطنية، تبين أن العودة من دول اللجوء لا تنهي أعباء الرعاية، بل تغيّر مكانها فقط. ففي الداخل السوري، تواجه العائدات صعوبات مضاعفة بسبب:
-
بُعد مراكز إعادة التأهيل وانقطاع التيار الكهربائي المستمر الذي يعطل الجلسات.
-
ارتفاع تكاليف التنقل وانعدامها.
-
الاضطرار إلى إعادة بناء شبكات الدعم الاجتماعي (الجيران والأقارب) من الصفر.
التبعات القاسية: الدخل، الصحة، والعزلة
تترتب على مهام الرعاية تداعيات كارثية ومترابطة على حياة النساء:
1. على الدخل ورزق الأسرة
-
أفادت نصف مقدمات الرعاية بأن الدور المنوط بهن حرمنهن تماماً من العمل أو حدّ من قدرتهن على تأمين رزقهن، بينما اضطرت أخريات للعمل بأجور ومواعيد قصيرة (مثل العمل في التنظيف) رغم صعوبة ترك الشخص المعاق وحيداً.
-
تعتمد الأسر على الاستدانة، وتأجيل دفع الإيجارات، والتوفير القاسي حتى في أساسيات الطعام والشراب لشراء الأدوية والعلاجات.
-
يتضاعف الأثر عندما يتعرض المعيل الأساسي لإصابة (كإصابات الألغام في دير الزور)، لتتحول الأسرة بأكملها نحو الفقر المدقع ومشاركة النساء في أعمال موسمية شاقة كالخصاد.
2. على الصحة الجسدية
-
تعاني جميع مقدمات الرعاية من آلام مزمنة في الظهر، والرقبة، والكتفين.
-
تعاني ربعّهن من نوم متقطع نتيجة تحريك ونقل وتقليب الأشخاص غير القادرين على الحركة، وغالباً بلا أدوات مساعدة (كرسي متحرك، حمام مخصص، أو جهاز تمشية)، مما أدى ببعضهن إلى الإصابة بترقق العظام أو الاعتماد المستمر على المسكنات.
-
تتجاهل الأمهات صحتهن الخاصة، فتغادر إحداهن المشفى مبكراً لتأمين جرعة الأنسولين لابنها، متنازلات عن علاج أنفسهن.
3. على الصحة النفسية والعقلية
-
تعاني النساء من ضغوط نفسية حادة ومشاعر خوف مستمرة ووحدة وعجز. ويبرز الهاجس الأكبر في التفكير بالمستقبل: “دوماً ينتابني إحساس بالخوف مما يمكن أن يحدث لابنتي في حال حدث لي أي مكروه”.
-
تحاول بعضهن إخفاء إرهاقهن لحماية مشاعر أطفالهن، مما يضاعف شعورهن بالذنب، بينما تلعب جلسات الدعم النفسي المحدودة دوراً طفيفاً في التخفيف من حدة الانهيار النفسي.
4. العزلة الاجتماعية
-
يحبس القلق والعجز عن ترك المعاقين في المنازل النساء داخل جدران بيوتهن. وتتفاقم المأساة عند مواجهة الوصمة الاجتماعية والتنمر الموجه ضد الأطفال ذوي الإعاقة، فضلاً عن التخلي الأسري والزوجي في بعض الحالات.
متى تنهار منظومة الرعاية؟
تصل عملية الرعاية إلى نقطة الانهيار التام عندما تجتمع عوامل الإنهاك الشديد، والنزوح، وغياب الدعم؛ وحينها يفقد الشخص المعاق فرصة التعلم، والأمان، وإعادة التأهيل. وتتجسد أسباب الانقطاع في:
-
توقف المشاريع: تنتهي برامج إعادة التأهيل بمجرد انتهاء تمويل المشروع، لتعجز الأسر عن دفع التكاليف من جيبها الخاص.
-
البنية التحتية المتردية: مراكز الإيواء الجماعي تفتقر للمياه والصرف الصحي والمساحات الخاصة، ناهيك عن انقطاع الكهرباء الذي يلغي الجلسات العلاجية.
-
انقطاع التعليم: ينقطع الأطفال ذوي الإعاقة تماماً عن المدارس لعدم توفر مؤسسات مهيأة أو بسبب بُعد المسافات وتكرار النزوح الذي يحرم الأشقاء أيضاً من سنوات دراسية عديدة.
التوصيات الأساسية للحل
دعت الدراسة إلى ضرورة الانتقال العاجل من تهميش دور مقدمات الرعاية إلى الاعتراف بهن كفئة مستقلة تستحق الحماية والدعم ضمن سياسات التمويل وبرامج المعاقين، وذلك عبر ست محاور رئيسية:
-
حصر أعداد مقدمات الرعاية وإدراج بياناتهن بشكل دقيق ضمن خطط وتقييمات الاستجابة الإنسانية.
-
ضمان استمرارية الدعم المالي والمساعدات النقدية غير المشروطة لهذه الأسر.
-
توفير خدمات الرعاية المؤقتة، والدعم النفسي والاجتماعي، والتدريب المستمر.
-
ضمان استدامة خدمات التأهيل، والرعاية الصحية، والتعليم المدمج للأطفال ذوي الإعاقة.
-
معالجة العوائق القانونية المرتبطة بالوثائق الثبوتية ومشاكل السكن والإيجارات.
-
مشاركة مقدمي الرعاية في عمليات صنع القرار والتخطيط للسياسات العامة ذات الصلة.
وتقع مسؤولية تنفيذ هذه التوصيات على عاتق الجهات المانحة، والحكومات، ووكالات الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية والدولية، عبر تمويل مستدام يحترم تضحيات النساء ويحفظ كرامتهن.