قانون الأحزاب في سوريا.. لماذا تأخر صدوره؟
يتجدد النقاش في سوريا حول إصدار قانون ينظّم عمل الأحزاب السياسية، ويحدد شروط تأسيسها وآليات تسجيلها والرقابة على أنشطتها، بما يضمن التعددية السياسية وحق السوريين في المشاركة بصنع القرار.
ويأتي ذلك في ظل المرحلة الانتقالية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، استناداً إلى المادة 14 من الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025، التي تكفل حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفق قانون جديد.
ويثير تأخر إصدار القانون تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن تسجيل الأحزاب والإشراف عليها، وضمان استقلالها عن السلطة، إلى جانب المخاوف من استغلال الانفتاح السياسي لإعادة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق تموضعها السياسي.
استقلال الأحزاب وضمان التعددية السياسية
يرى أستاذ القانون الدولي العام والباحث في الشؤون الدولية عامر فاخوري أن التحدي الأساسي لا يتمثل في السماح بتأسيس الأحزاب، بل في ضمان استقلالها ومنع احتكار الحياة السياسية تحت مسميات جديدة.
ويقول فاخوري في حديث لـ«963+» إن معالجة إرث هيمنة حزب البعث لا تكون باستبدال احتكار سياسي بآخر، وإنما بإتاحة المجال أمام أحزاب مستقلة تتنافس وفق برامج واضحة وقواعد قانونية متساوية.
ويؤكد أهمية الفصل بين الدولة والأحزاب، ومنع الحكومة من التدخل في تشكيلها أو توجيه نشاطها، مع اعتماد إجراءات واضحة للتأسيس، وضمان شفافية مصادر التمويل ومنع استخدام المال العام لخدمة أي قوة سياسية.
كما يشدد على ضرورة وجود قضاء مستقل وهيئة محايدة تتولى تنظيم شؤون الأحزاب، بما يضمن المساواة أمام القانون ويحمي حق المعارضة في العمل السياسي السلمي.
غياب قانون الأحزاب وتأثيره على الحياة السياسية في سوريا
من جهته، يقول الصحفي نبيل شوفان لـ«963+» إن تأخر إصدار قانون الأحزاب يثير تساؤلات حول الضمانات القانونية المتاحة لممارسة حق التنظيم السياسي، رغم أن المادة 14 من الإعلان الدستوري نصت على هذا الحق من دون تحديد موعد لإصدار القانون.
ويحذر شوفان من أن استمرار غياب إطار قانوني ينظم الأحزاب قد يؤدي إلى بقاء المجال السياسي محصوراً بالمؤسسات الانتقالية والشخصيات الفردية، ويؤخر ظهور قوى سياسية قادرة على مراقبة أداء السلطة وتقديم برامج بديلة.
ويشير إلى أن معالجة مخاوف عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق يجب أن تستند إلى المسؤولية الفردية والأدلة القانونية، مع التمييز بين المتورطين في الانتهاكات ومن اقتصر ارتباطهم السابق بحزب البعث على الانتساب.
ويؤكد أن الإقصاء الجماعي على أساس الانتماء الحزبي السابق لا يحقق العدالة، وأن أي قيود يجب أن تستند إلى إجراءات قضائية تضمن حق الدفاع والطعن.
شروط تأسيس الأحزاب وآليات الترخيص والرقابة
يعتبر شوفان أن تحديد آلية تأسيس الأحزاب من أبرز القضايا التي ينبغي أن يعالجها القانون، خصوصاً الاختيار بين نظام الإخطار المسبق والترخيص الإداري.
ويحذر من أن اشتراط الموافقة الإدارية المسبقة قد يفتح المجال أمام التدخل السياسي، داعياً إلى اعتماد شروط تأسيس واضحة، وإسناد تسجيل الأحزاب إلى هيئة مستقلة، مع تحديد مهل زمنية للبت في الطلبات وإتاحة الطعن القضائي بقرارات الرفض.
كما يرى أن حل الأحزاب يجب أن يكون إجراءً استثنائياً يستند إلى أدلة قانونية على ارتكاب مخالفات جسيمة، وأن يصدر عن جهة قضائية مستقلة، لا بسبب معارضة الحزب للحكومة أو انتقاده سياساتها.
وفي ما يتعلق بالأحزاب ذات الخلفيات الدينية أو القومية أو المناطقية، يشير إلى ضرورة التمييز بين الهوية السياسية للتنظيم وممارساته، بحيث لا يكون التعبير السلمي عن مصالح جماعة أو المطالبة باللامركزية سبباً تلقائياً للحظر.
تمويل الأحزاب ومنع تدخل السلطة في عملها
يشدد شوفان على ضرورة إخضاع تمويل الأحزاب لقواعد شفافة، تشمل تحديد مصادر التبرعات وسقوف الإنفاق، ونشر الحسابات المالية، ومنع استخدام المال العام أو الأموال مجهولة المصدر لتعزيز نفوذ سياسي غير متكافئ.
كما يؤكد أهمية تحييد الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والقضاء عن التنافس الحزبي، ومنع استخدام المؤسسات العامة والإعلام الرسمي لمصلحة أي حزب.
ويرى أن الهيئة المسؤولة عن تسجيل الأحزاب والرقابة على أنشطتها يجب أن تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وأن تكون قراراتها معللة وقابلة للطعن أمام القضاء.
هل يكفي قانون الأحزاب لضمان التعددية السياسية في سوريا؟
يؤكد شوفان أن إصدار قانون للأحزاب، رغم أهميته، لا يكفي وحده لبناء حياة سياسية تعددية، إذ يتطلب الأمر قانون انتخابات عادلاً، وإعلاماً مستقلاً، وقضاءً قادراً على وقف القرارات التعسفية، إلى جانب آليات للمساءلة عن الانتهاكات السابقة ضمن مسار العدالة الانتقالية.
كما يشير إلى أهمية أن يحمي الدستور الدائم التعددية السياسية، ويحدد صلاحيات الرئاسة والبرلمان والقضاء، ويمنع احتكار السلطة.
ويظل التحدي أمام المشرّع السوري هو وضع إطار قانوني يضمن حق تأسيس الأحزاب والتنافس السياسي السلمي، ويعالج المسؤولية عن الانتهاكات السابقة، من دون تحويل الضوابط القانونية إلى أدوات للإقصاء أو تقييد المعارضة.
إقرأ أيضاً: جدل واسع حول مستقبل الأحزاب في سوريا: غياب القانون يُهدد الحياة السياسية