«أبو مريم الأسترالي» وجدلية الأويغور.. أسئلة قانونية حول المقاتلين الأجانب في سوريا

أعادت أستراليا، في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إدراج إبراهيم سكرية، المعروف باسم «أبو مريم الأسترالي»، على قائمة العقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، بالتزامن مع عودة ملف المقاتلين الأجانب، ولا سيما الأويغور المنضمين إلى الجيش السوري، إلى واجهة الاهتمام الغربي.

ويفتح تزامن الملفين نقاشاً يتجاوز العقوبات بحد ذاتها، ليشمل الوضع القانوني للأجانب داخل مؤسسات الدولة السورية، وشروط حصولهم على الرتب العسكرية، ومدى تأثير العقوبات الأجنبية في التعاملات الاقتصادية، إضافة إلى موقف الدول التي تحتفظ بملفات أمنية وقانونية مرتبطة بهذه الشخصيات والجماعات.

«أبو مريم الأسترالي» بين العقوبات والأدوار الاقتصادية

كانت كانبيرا قد أدرجت سكرية للمرة الأولى عام 2018، وقالت حينها إنه يُشتبه بعضويته في «جبهة النصرة». وبحسب وزارة الخارجية الأسترالية، فإن الإدراجات على هذه القائمة تنتهي تلقائياً وتخضع للمراجعة في الذكرى الثالثة لصدورها.

وعلى الرغم من استمرار العقوبات الأسترالية، ظهر اسم سكرية خلال العامين الماضيين في تقارير تناولت إعادة ترتيب بعض الأصول والمؤسسات الاقتصادية في سوريا. وكانت «رويترز» قد ذكرت في تموز/يوليو 2025 أنه قاد الجانب الاقتصادي في لجنة غير معلنة شاركت في إدارة أصول وشركات مرتبطة برجال أعمال من عهد الأسد.

وفي 2026، نقلت تقارير صحفية عن أشخاص تعاملوا مع الصندوق السيادي السوري أنهم التقوا سكرية بصفته مديراً للصندوق، من دون أن يظهر حتى الآن قرار تعيين منشور يثبت توليه هذه الصفة.

وبحسب المحامي المعتصم الكيلاني، فإن إدراج سكرية على قائمة أسترالية للعقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب لا يلغي تلقائياً أي تعيين له داخل سوريا، لأن العقوبات الأسترالية تنتج آثارها وفق القانون الأسترالي، ولا تتحول بصورة تلقائية إلى حكم سوري أو قرار صادر عن مجلس الأمن.

لكن الكيلاني يحذر، في الوقت نفسه، من أن غياب الأثر القانوني المباشر داخل سوريا لا يعني انتفاء المخاطر العملية، موضحاً أن منح شخص خاضع لعقوبات مالية سلطة على أموال عامة أو معاملات خارجية يمكن أن يؤدي إلى تعطيل تعاملات مع مصارف أو شركات ملزمة بتطبيق تلك العقوبات.

ويربط المحامي أهلية أي شخص لتولي منصب رسمي بالقانون السوري الذي ينظم الوظيفة المعنية، وشروط الجنسية والكفاءة والنزاهة، إضافة إلى القرار الذي استند إليه التعيين.

الأويغور في الجيش السوري.. من الدمج إلى الجدل الأميركي

عاد ملف المقاتلين الأويغور إلى الواجهة بعد تقرير ميداني نشرته «فرانس 24» في 30 أيلول/سبتمبر 2026، عقب وصول الصحفي وسيم نصر إلى عناصر منهم داخل سوريا.

وقدّر التقرير عدد هؤلاء المقاتلين بنحو 2000، وقال إنهم ينحدرون من «الحزب الإسلامي التركستاني»، الذي أعلن حل نفسه واندماج عناصره في الجيش السوري.

وكانت «رويترز» قد أفادت في 2 حزيران/يونيو 2025 بأن خطة لدمج مقاتلين أجانب في الجيش السوري شملت نحو 3500 عنصر، معظمهم من الأويغور القادمين من الصين ودول مجاورة، ضمن الفرقة 84 التي تضم أيضاً مقاتلين سوريين.

وقال المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك في ذلك الوقت إن واشنطن وافقت بصورة مشروطة على الخطة، وإن قبولها يرتبط بالشفافية وإدخال هؤلاء المقاتلين ضمن مشروع الدولة بدلاً من بقائهم خارج مؤسساتها.

كما نقلت الوكالة عن مسؤول في «الحزب الإسلامي التركستاني» أن التنظيم حل نفسه رسمياً وأصبح يعمل تحت سلطة وزارة الدفاع.

لكن الموقف الأميركي لم يتوقف عند مسألة القبول المشروط بالدمج. ففي حزيران/يونيو 2026، أقرت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ نسختها من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، وتضمن النص بنداً يربط التعاون مع الحكومة السورية باتخاذ خطوات لإخراج المقاتلين الأجانب من القوات والمؤسسات الحكومية، ونزع سلاح من يبقى منهم، وإنشاء نظام لمراقبتهم.

ويختلف هذا التوجه عن شرط «FY2026»، الذي ركز على إبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب العليا فقط، علماً أن البند الوارد في نسخة لجنة القوات المسلحة لم يكن قد أصبح، بصيغته تلك، قانوناً نهائياً.

ما الذي يسمح به القانون السوري؟

إلى جانب الجدل السياسي والدولي، يطرح وجود مقاتلين أجانب داخل الجيش السوري أسئلة تتعلق بالأساس القانوني لدمجهم ومنحهم صفات عسكرية أو رتباً قيادية.

ويقول المحامي المعتصم الكيلاني إن المادة 51 من الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 أبقت التشريعات السابقة نافذة ما لم تعدلها أو تلغها نصوص جديدة، وهو ما يعني، وفق تفسيره، استمرار تطبيق قانون الخدمة العسكرية رقم 18 لعام 2003 ما لم يصدر تشريع خاص يخالفه.

وتنص المادة 21 من قانون الخدمة العسكرية رقم 18 لعام 2003 على أن من يُمنح رتبة ضابط يجب أن يحمل الجنسية السورية منذ خمس سنوات على الأقل، إلى جانب شروط أخرى تتعلق بالخدمة والأهلية. ويحدد القانون استثناءً لحامل جنسية دولة عربية، على أن يصدر ذلك بمرسوم ووفق الشروط المنصوص عليها.

وبناءً على ذلك، يطرح الكيلاني سؤالاً قانونياً بشأن حالة الأويغور الذين لا يحملون الجنسية السورية ولا جنسية دولة عربية: ما النص النافذ الذي يسمح بتجاوز شروط المادة 21 في حال منح أحدهم رتبة ضابط؟

ويشدد المحامي على ضرورة الفصل بين ثلاث حالات مختلفة: وجود مقاتل أجنبي داخل تشكيل جرى دمجه عملياً، واكتسابه صفة عسكري نظامي، ثم منحه رتبة ضابط أو توليه قيادة وحدة. وبحسب الكيلاني، فإن إثبات إحدى هذه الحالات لا يعني تلقائياً ثبوت مشروعية الحالات الأخرى.

كما يرى أن حصول المقاتل على الجنسية السورية في وقت لاحق، إن حدث، لا يصحح بأثر رجعي قراراً سابقاً، لأن التجنس لا يحقق فوراً شرط حمل الجنسية لمدة خمس سنوات، وبالتالي لا يكفي القول إن هؤلاء سيحصلون على الجنسية لتبرير رتبة سبق منحها.

ويطالب الكيلاني بتدقيق فردي في هوية المقاتلين وسجلاتهم وارتباطاتهم، مع إعلان الأساس القانوني لقرارات التجنيس والتعيين والترفيع، والتأكد من خضوع كل من يحمل سلاح الدولة لقيادتها وقوانينها وآليات المساءلة فيها.

عقوبات أستراليا ليست عقوبات أممية

يفرق الكيلاني بين العقوبات التي تفرضها دولة بصورة منفردة، وبين التدابير التي يصدرها مجلس الأمن وتكون ملزمة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وبحسب تفسيره، فإن سوريا ليست ملزمة بتطبيق القائمة الأسترالية لمجرد إدراج شخص عليها، إذ يرتبط أثر هذه العقوبات بالقانون الأسترالي والجهات التي تخضع له.

في المقابل، تلتزم سوريا بالقرارات الملزمة الصادرة عن مجلس الأمن، بما في ذلك التدابير المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب وتجميد الأموال عندما تنطبق الشروط المحددة في تلك القرارات.

ويشير الكيلاني إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 1373 يفرض التزامات عامة على الدول في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، لكنه لا يعني أن كل شخص تدرجه أستراليا على قائمتها الوطنية يصبح مدرجاً تلقائياً على قائمة أممية.

لذلك، يرى أن التعامل مع كل حالة يتطلب فحصاً مستقلاً لهوية الشخص وطبيعة الإدراج والعقوبات التي يخضع لها، وما إذا كان اسمه مدرجاً في نظام عقوبات أممي محدد، إلى جانب دراسة الوقائع والأدلة المتاحة.

ويؤكد أن منح الجنسية أو الرتبة لشخص أجنبي لا يشكل، بحد ذاته، جريمة دولية، لكن الوضع يختلف إذا كان الشخص خاضعاً لتدابير أممية ملزمة، أو ظهرت أدلة جدية على ارتباطه بتمويل أعمال إرهابية أو الإعداد لها، بما يستدعي مراجعة الحالة وفق الالتزامات الدولية والقانون السوري.

«الدمج أو الاعتقال».. سياسة دمشق تجاه المقاتلين الأجانب

يصف الباحث آرون زيلين سياسة دمشق منذ سقوط النظام السابق بأنها تقوم على «الدمج أو الاعتقال»، مشيراً إلى أن السلطات أدخلت معظم المقاتلين الأجانب ضمن هياكل الدولة، في حين اعتقلت من احتفظ بأجندة مستقلة أو أصبح مصدر توتر مع دول أخرى.

ويرى الكاتب والإعلامي عمار ديوب أن ملف «أبو مريم الأسترالي» يكشف، برأيه، إشكالية في سياسة التعيينات، كما يثير تساؤلات حول قبول مجموعات كبيرة من المقاتلين الأجانب داخل الجيش وتشكيل وحدات عسكرية خاصة بهم.

ويعتبر ديوب أن هذه الملفات يمكن أن تعيد دول مثل أستراليا والولايات المتحدة فتحها في أي وقت، موضحاً أن القبول الدبلوماسي بالسلطة السورية أو رفع العقوبات عن بعض مسؤوليها لا يعني قبول جميع مكونات المرحلة السابقة، بما فيها «هيئة تحرير الشام» أو الأويغور أو غيرهم من المقاتلين الأجانب.

ويضيف أن رفع بعض الأسماء من قوائم الإرهاب لا يعني بالضرورة الحصول على دعم مالي، مشيراً إلى أن السلطة السورية تواجه، بحسب تقديره، ظروفاً مادية صعبة.

ويرى ديوب كذلك أن استمرار السلطات السورية في الاحتفاظ بمقاتلين جهاديين عرب، وبينهم مصريون، ينعكس سلباً على العلاقة مع القاهرة، التي يصفها بأنها ما تزال عند مستويات متدنية.

من المؤسسة العسكرية إلى الملفات الاقتصادية والسياسية

يرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية عامر السبايلة أن عملية احتواء التشكيلات والمقاتلين السابقين داخل مؤسسات الدولة قامت على محاولة الانتقال من نمط الفصائل والميليشيات إلى مؤسسات الدولة، لكن نجاح هذا المسار يتوقف على إخضاع هذه التشكيلات لقواعد واضحة للقيادة والمساءلة.

وبحسب السبايلة، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بوجود مقاتلين أجانب داخل المؤسسة العسكرية، وإنما يتسع عندما تنتقل شخصيات مرتبطة بمرحلة الفصائل إلى أدوار أخرى داخل الدولة.

ويقول إن توسع أدوار هؤلاء من المهام التقنية التقليدية إلى الملفات الاقتصادية والسياسية سيُبقي التباين قائماً بين سياسة دمشق في دمج بعض المقاتلين الأجانب وبين الدعوات الأميركية إلى نزع سلاحهم، وقد يؤدي إلى اتساع هذا الخلاف مع مرور الوقت.

ويحذر السبايلة من تداعيات أمنية وسياسية مرتبطة بوجود الأويغور وشخصيات مثل «أبو مريم»، معتبراً أن العقوبات والعزوف عن التعامل مع مؤسسات الدولة والتشكيك في طبيعة النظام وبنيته يمكن أن تجعل التعامل معه أكثر صعوبة لاحقاً.

ويضيف أن تحول أشخاص مطلوبين في قضايا إرهاب إلى مواقع مؤثرة في صناعة السياسات الاقتصادية أو السياسية قد يضع الدول الأخرى أمام إشكالية في التعامل معهم.

من جهته، يرى ديوب أن ملفات المقاتلين الأجانب والشخصيات الأجنبية يمكن أن تتحول إلى أوراق تستخدمها دول مختلفة في علاقاتها مع دمشق، مشدداً على أن الاعتراف الدبلوماسي بالحكومة السورية لا يعني بالضرورة قبول جميع الأسماء والتيارات المرتبطة بمرحلة «هيئة تحرير الشام» أو بالمقاتلين الأجانب.

أسئلة تتجاوز ملف الجنسية والرتب

بعد نحو عامين على سقوط نظام الأسد، لم يعد النقاش حول المقاتلين الأجانب يقتصر على بقائهم في سوريا أو مغادرتهم، بل بات مرتبطاً بمواقعهم داخل مؤسسات الدولة والأدوار التي يتولونها.

وتبقى من أبرز الأسئلة المطروحة طبيعة الوضع القانوني لمن حصل منهم على الجنسية السورية، والأساس الذي استندت إليه قرارات منح الرتب العسكرية، ومدى خضوع الوحدات التي تضم مقاتلين أجانب لسلسلة قيادة ومساءلة واحدة داخل الجيش السوري.

كما لا يزال موقع إبراهيم سكرية، المعروف باسم «أبو مريم الأسترالي»، بحاجة إلى توضيح رسمي، في ظل استمرار إدراجه على قائمة العقوبات الأسترالية، والتقارير الصحفية التي ربطت اسمه بأدوار داخل مؤسسات اقتصادية سورية.

ويرى السبايلة أن السؤال الأوسع يتعلق بطبيعة وبنية النظام الجديد في سوريا، وما إذا كان قادراً على الانتقال إلى نموذج الدولة الوطنية، أم سيبقى متأثراً ببنية الميليشيا ذات الطابع الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً:شام كاش.. بيت مال;هيئة تحرير الشام تحت إشراف أبو مريم الأسترالي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.