تقرير حقوقي: إصلاح متعثر للقضاء في سوريا واستقلاله رهين نفوذ السلطة التنفيذية
اعتبر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير أن الحكومة الانتقالية في سوريا لم تنجح حتى الآن في تحويل تعهداتها بشأن بناء قضاء مستقل إلى إصلاحات مؤسساتية وتشريعية ملموسة، مشيراً إلى استمرار تأثير السلطة التنفيذية في بنية السلطة القضائية وآليات عملها، رغم التغييرات التي شهدتها البلاد منذ المرحلة الانتقالية.
وجاء ذلك في تقرير أصدره المركز خلال أيار/مايو 2026 بعنوان “استقلال القضاء في سوريا خلال المرحلة الانتقالية: تقييم لاستمرار تأثير السلطة التنفيذية على بنية القضاء وآليات عمله”، تناول فيه الإطار الدستوري والتشريعي المنظم للقضاء، وقيّم القرارات والإجراءات التي اتخذتها السلطات الجديدة منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد.
ويرى التقرير أن نجاح أي انتقال سياسي لا يقتصر على إصدار إعلان دستوري أو تغيير المسؤولين، بل يتطلب تفكيك البنية القانونية والإدارية التي كرّست تبعية القضاء للسلطة التنفيذية لعقود، وهو ما يعتبر أنه لم يتحقق حتى الآن.
استمرار نفوذ السلطة التنفيذية
بحسب التقرير، ما تزال السلطة القضائية خاضعة لقانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961، رغم أن الإعلان الدستوري نص على استقلال القضاء.
ويقول المركز إن الإبقاء على هذا القانون يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في تعيين القضاة وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم، الأمر الذي يحد من استقلال المؤسسة القضائية.
كما أشار التقرير إلى أن الحكومة واصلت إدارة القضاء من خلال قرارات إدارية عززت، وفق وصفه، المركزية في إدارة السلطة القضائية، مستشهداً بتعيين رئيس لمجلس الدولة وعميد للمعهد العالي للقضاء، واستحداث منصب “رئيس العدلية”، إضافة إلى حل القضاء العسكري.
ورغم أن هذه الإجراءات قُدمت ضمن إطار إعادة هيكلة القضاء، يرى التقرير أنها لم تترافق مع ضمانات قانونية تكفل استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.
تشكيلات قضائية وإجراءات مسلكية
وتطرق التقرير إلى التشكيلات القضائية الصادرة خلال عام 2025، مشيراً إلى أنها تضمنت وضع عشرات القضاة “تحت تصرف رئيس العدلية”.
وأوضح أن القرارات شملت 20 قاضياً في محافظة حلب، و9 قضاة في حماة، و6 في حمص، و5 في ريف دمشق، إضافة إلى رئيس محكمة استئناف في محافظة درعا.
كما أشار التقرير إلى مرسوم رئاسي صدر في آذار/مارس 2026، أحال 54 قاضياً إلى مجلس القضاء الأعلى للمحاكمة المسلكية، معتبراً أن هذه الإجراءات تعكس استمرار إخضاع المؤسسة القضائية لقرارات إدارية واسعة.
تحديات تتعلق بحماية القضاة
ويرى التقرير أن التحديات لا تقتصر على غياب الإصلاحات التشريعية، بل تشمل أيضاً ضعف الضمانات المتعلقة بحماية القضاة أثناء أداء مهامهم.
واستشهد بحادثة الاعتداء على القاضي محمد إبراهيم، قاضي محكمة المزة في دمشق، من قبل أحد عناصر الحراسة أثناء توجهه إلى مكتبه، قبل أن يمتد الاعتداء إلى زوجته، معتبراً أن عدم الإعلان عن نتائج مساءلة واضحة في القضية يعكس استمرار بيئة لا توفر الحماية الكافية للعاملين في السلطة القضائية.
استمرار تعدد المنظومات القضائية
وأشار التقرير إلى أن الحكومة لم تنجح في توحيد المنظومة القضائية على مستوى البلاد، موضحاً أن النظام القضائي الذي كان معمولاً به في محافظة إدلب ما يزال قائماً ولم يدمج بصورة كاملة ضمن القضاء الوطني.
وأضاف أن استمرار التدخلات الإدارية في إدارة المحاكم يؤدي، بحسب التقرير، إلى تفاوت في تطبيق العدالة بين منطقة وأخرى.
أوضاع مهنة المحاماة
ولم يقتصر التقرير على تقييم أوضاع القضاء، بل تناول أيضاً واقع مهنة المحاماة، معتبراً أن الحكومة لم تتخذ خطوات كافية لتعزيز استقلال نقابة المحامين.
وأشار إلى أن التشريعات التي صدرت منذ ثمانينيات القرن الماضي كرست تبعية النقابة للسلطة التنفيذية وحزب البعث، وأن آثار تلك القوانين ما تزال قائمة، موضحاً أن بعض المحامين تعرضوا في فترات سابقة لإجراءات عقابية بسبب مواقفهم السياسية أو نشاطهم الحقوقي، شملت الاعتقال أو المنع من مزاولة المهنة، ووصلت في بعض الحالات إلى الوفاة أثناء الاحتجاز أو القتل خارج نطاق القضاء.
دعوة لإصلاحات جذرية
وخلص المركز السوري للإعلام وحرية التعبير إلى أن الحكومة الانتقالية لم تتمكن حتى الآن من إقناع شريحة واسعة من السوريين بأنها تجاوزت إرث النظام السابق في إدارة السلطة القضائية، مشيراً إلى استمرار العمل بتشريعات وهياكل إدارية يعتبر أنها كرست تبعية القضاء للسلطة التنفيذية.
وأضاف التقرير أن القضاء السوري استُخدم خلال العقود الماضية، عبر المحاكم الاستثنائية، لمحاكمة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وأسهم في ترسيخ ممارسات شملت المحاكمات غير العادلة والتعذيب والإخفاء القسري والإفلات من العقاب، محذراً من أن استمرار الأدوات القانونية والإدارية نفسها قد يؤدي إلى إعادة إنتاج جزء من تلك المنظومة.
ودعا المركز إلى تنفيذ إصلاحات شاملة تشمل إنهاء نفوذ السلطة التنفيذية على القضاء، وتعزيز استقلال مجلس القضاء الأعلى، وتوفير الحماية القانونية للقضاة والمحامين، وإرساء أسس واضحة للمساءلة وسيادة القانون، معتبراً أن نجاح العدالة الانتقالية يتطلب إصلاحاً مؤسساتياً حقيقياً يتجاوز الوعود السياسية.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز