الشرع في الرياض مجدداً: هل تدفع دمشق «مقاتلين» ثمن الدعم المالي؟
في زيارة هي الثانية له خلال أقلّ من شهر، حلّ الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في العاصمة السعودية الرياض على رأس وفد حكومي وعسكري وأمني رفيع، حيث التقى وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، وعدداً من كبار المسؤولين.
بحسب تقرير نشرته جريدة «الأخبار»، فإن تركيبة الوفد المرافق ترسم أبعاد جدول الأعمال الموسّع للزيارة؛ إذ ضمّ وزراء الخارجية أسعد الشيباني، والدفاع مرهف أبو قصرة، والمالية محمد يسر برنية، والصناعة باسل عبد الحنان، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات العامة عبد القادر طحان، ما يعكس تركيز المباحثات على الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.
ورغم اقتصار البيانات الرسمية الأولى على عبارات بروتوكولية عامة حول بحث العلاقات الثنائية بين الشرع وابن سلمان، كشفت وسائل إعلام سعودية عن توقيع عشرات الاتفاقات دون الخوض في تفاصيلها الدقيقة.
وتلفت الجريدة إلى أن هذه الجولة تمثّل انتقالا عملياً نحو تنفيذ تفاهمات واتفاقات شفهية سبق التوافق عليها خلال الزيارة الأولى.
اتفاق دفاعي وتكهنات بالشارع اليمني
تأتي هذه الزيارة بعد أيام قليلة من تصريحات لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أكد فيها أن دمشق تدرس الانضمام إلى «حلف مكة» (الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان)، وتتزامن مع تسريبات صحفية تحدثت عن طلب سعودي لإرسال مقاتلين سوريين للمشاركة في حرب اليمن.
وفي هذا السياق، كشف بيان لاحق لوزارة الخارجية السورية عن توقيع اتفاقية تعاون بين وزارتَي الدفاع السورية والسعودية.
ورغم عدم إفصاح الوزارة عن تفاصيل هذا التعاون، يرى تقرير الصحيفة أنه يأتي متسقاً مع الأنباء المتعلقة بالطلب السعودي — على الرغم من النفي السابق للسلطات الانتقالية —، وممهداً لخطوات ذات طابع «دفاعي» قد تسبق انضمام سوريا الرسمي للحلف.
حزم دعم اقتصادية بالمليارات
على الصعيد الاقتصادي، تشير الجريدة إلى أن الاتفاقات الجديدة تأتي امتداداً لدعم سعودي معلن للسلطات الانتقالية السورية، كان قد شهد توقيع نحو 80 اتفاقية ومذكرة تعاون بقيمة تتجاوز 40 مليار ريال سعودي (نحو 10.7 مليارات دولار)، وفق ما أعلنه وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح في شباط/فبراير الماضي.
وتضمّنت حزم الدعم السابقة أيضاً:
-
موافقة «الصندوق السعودي للتنمية» على تقديم قروض ميسّرة بقيمة 406 ملايين دولار، ضمن خط تمويلي أوسع تجري مناقشته لتسقيفه عند 1.5 مليار دولار.
-
تقديم منحة نفطية قدرها 1.65 مليون برميل من النفط الخام.
-
الشراكة مع دولة قطر لسداد متأخرات سوريا لدى «البنك الدولي»، فضلاً عن تمويل جزء من رواتب موظفي القطاع العام السوري.
حاجة ماسة لامتصاص الاحتقان الداخلي
بحسب التقرير، تشكّل حزم الدعم والاستثمارات السعودية ضرورة حيوية وعاجلة للسلطات الانتقالية في دمشق، في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والتدهور المستمر في مستويات المعيشة، والناجم عن رفع أسعار الوقود والكهرباء والخبز وتقليص الدعم الحكومي، إلى جانب تفاقم البطالة وتراجع القدرة الشرائية وعجز الأجور عن مواكبة التضخم.
ولا تتوقف أهمية التمويل السعودي عند دعم مشاريع التعافي وإعادة الإعمار فحسب، بل يمنح السلطات هامشاً لمواجهة الضغوط المعيشية وتخفيف الاحتقان الشعبي الذي ترجمته تظاهرات غاضبة في عدة مناطق، تم استيعاب بعضها بينما يواصل بعضها الآخر التفجر بشكل متقطع.
كما يتقاطع الدعم السعودي مع الاتفاق المبرم بين السلطات السورية ومجموعة «البنك الدولي» في 18 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، القاضي بإنشاء «الصندوق الائتماني لدعم التعافي وإعادة الإعمار في سوريا» تحت إدارة البنك الدولي ووفق أولويات تضعها دمشق، حيث تراهن الأخيرة على دور محوري لدول الخليج — وفي مقدمتها السعودية وقطر — في تمويل هذا الصندوق.
شريان حياة مالي مقابل أثمان سياسية وأمنية
تختم «الأخبار» تقريرها بالإشارة إلى أن الجولة الرياضية تكتسب أهمية إضافية كونها تأتي بعد أيام من تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، توماس براك، والتي أقر فيها بصعوبة جذب المستثمرين الأجانب إلى سوريا في الوقت الراهن، معيداً ذلك إلى ضعف النظام المصرفي، وغياب الضمانات الأمنية، واستمرار القيود الاقتصادية، مشيراً إلى أن استثمارات قطاع الطاقة قد تتطلب ما بين 10 إلى 15 عاماً لتحقيق عوائد ملموسة.
وفي ظل أحجام الشركات الأجنبية عن المخاطرة، تبدو الرياض بملائتها المالية وغطائها السياسي أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام دمشق للحصول على تمويل سريع واستثمارات طويلة الأجل.
غير أن اتساع الملفات الأمنية والعسكرية على طاولة البحث يطرح تساؤلات جديّة حول المقابل الذي تنتظره المملكة هذه المرة، لا سيما أنها باتت تمتلك نفوذاً كبيراً ومباشراً في الملف السوري.
اقرأ أيضاً:الجنوب السوري في حسابات «حلف مكة».. هل يتحول التوتر مع الأردن إلى ورقة ضغط على دمشق؟