من السقيلبية إلى القلمون.. حوادث مسلحة تعيد ملف السلاح والمساءلة إلى الواجهة
شهدت مناطق سورية خلال اليومين الماضيين حادثتي عنف مسلح في السقيلبية بريف حماة ورأس المعرة بمنطقة القلمون في ريف دمشق، اختلفت حصيلتاهما وطبيعتهما، لكنهما أعادتا النقاش حول انتشار السلاح وقدرة السلطات على احتواء الخلافات ومنع تحولها إلى أعمال عنف.
ففي السقيلبية، تطورت مشاجرة بين شبان من المدينة وبلدة قلعة المضيق إلى إطلاق نار واعتداءات وأضرار طالت محال تجارية وممتلكات خاصة، بينما انتهى إطلاق نار استهدف سيارة تقل عائلة في رأس المعرة إلى سقوط قتلى وجرحى، مع اختلاف بين الروايتين الرسمية وتوثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان بشأن عدد الضحايا.
وتأتي الحادثتان في وقت وثق فيه المرصد السوري مئات الجرائم الجنائية وجرائم القتل في مختلف المحافظات منذ بداية عام 2026.
توتر في السقيلبية بعد مشاجرة
بدأت حادثة السقيلبية، وفق ما أورده المرصد السوري، بمشاجرة بين شبان من السقيلبية وآخرين من قلعة المضيق المجاورة، عقب احتكاك وقع في منطقة شارع المشوار.
وتطورت الواقعة لاحقاً مع وصول مجموعة أخرى إلى المدينة فيما يعرف محلياً بـ”الفزعة”، قبل أن تشهد المنطقة إطلاق نار واعتداءات وأعمال تكسير طالت عدداً من المحال التجارية والممتلكات الخاصة.
في المقابل، أعلنت قوى الأمن الداخلي أنها تعاملت مع مشاجرة وقعت السبت، وتمكنت من احتواء التوتر وتوقيف متورطين من السقيلبية وقلعة المضيق، مؤكدة أن الإجراءات المتخذة تتم ضمن الأطر القانونية.
ولا تتطابق الرواية الرسمية في تفاصيلها مع ما أورده المرصد السوري حول تطورات الحادثة والأضرار التي لحقت بالممتلكات، إذ اقتصر الإعلان الأمني على الحديث عن المشاجرة والاعتداء على محل تجاري وتوقيف متورطين.
وعادت حالة من الهدوء الحذر إلى المدينة بعد ليلة التوتر، في حين أعادت الحادثة إلى الواجهة وقائع سابقة شهدت خلالها السقيلبية احتكاكات مشابهة تحولت في بعض الحالات إلى أعمال عنف وأضرار وسقوط ضحايا.
وكانت بعض تلك الحوادث قد انتهت بعقد مجالس صلح بين الأطراف، إلا أن تجدد التوتر يطرح تساؤلات حول قدرة التسويات المحلية وحدها على منع الخلافات الفردية من التحول إلى مواجهات ذات طابع جماعي.
إطلاق نار يستهدف عائلة في القلمون
وفي رأس المعرة بمنطقة القلمون، اتخذت الحوادث منحى أكثر دموية، بعدما أطلق مجهولون النار على سيارة تقل عائلة أثناء عودتها من حفل زفاف، وفق ما وثقه المرصد السوري.
وقال المرصد إن الهجوم أسفر عن مقتل أربعة أشخاص من العائلة، بينهم رجل وزوجته وزوجة شقيقه وطفلة، إضافة إلى إصابة ثلاثة أطفال بجروح خطيرة.
لكن وكالة “سانا” نقلت عن مصدر أمني حصيلة مختلفة، أفادت بمقتل ثلاثة أشخاص وإصابة أربعة أطفال، موضحة أن السيارة كانت تقل سبعة أفراد من عائلة واحدة.
وبذلك، لا تزال حصيلة حادثة رأس المعرة مختلفة بين المصدرين، في ظل عدم توفر رواية متطابقة بشأن عدد القتلى والجرحى.
ولم تتضح حتى الآن، وفق المعلومات المتاحة في المادة، دوافع إطلاق النار أو هوية منفذيه. وشهد محيط مكان الحادثة انتشاراً أمنياً، إلى جانب إغلاق طرق وإقامة حواجز في المنطقة.
402 جريمة منذ بداية 2026
وتأتي حوادث السقيلبية ورأس المعرة ضمن حصيلة أوسع من الجرائم الجنائية وحوادث القتل التي وثقها المرصد السوري خلال العام الحالي.
ووفق أحدث حصيلة نشرها المرصد عقب حادثة القلمون، بلغ عدد الجرائم الجنائية وجرائم القتل المسجلة في المحافظات السورية منذ مطلع عام 2026 نحو 402 جريمة، أسفرت عن مقتل 442 شخصاً، بينهم 345 رجلاً و60 امرأة و37 طفلاً.
وكان المرصد قد وثق حتى 2 تشرين الأول/أكتوبر 401 جريمة أدت إلى مقتل 438 شخصاً، بينهم 344 رجلاً و58 امرأة و36 طفلاً، قبل أن ترتفع الحصيلة مع تسجيل حوادث جديدة خلال فترة قصيرة.
ولا تشير هذه الأرقام، بحد ذاتها، إلى أن جميع الجرائم مرتبطة بانتشار السلاح أو ناجمة عن سبب واحد، إذ تختلف دوافع الحوادث وظروف وقوعها من حالة إلى أخرى. لكنها تعكس، وفق توثيق المرصد، استمرار تسجيل جرائم قتل وحوادث عنف مسلح في مناطق متفرقة من سوريا، إلى جانب بقاء ملابسات بعض الجرائم وهوية مرتكبيها غير محسومة.
وفي السقيلبية، دعا كاهن الرعية فادي سنكري الأهالي إلى الحفاظ على التماسك وتجنب الانتقام، مطالباً بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
وقال سنكري إن “السلاح المنفلت لا يمكن أن يكون بديلاً عن دولة القانون”، في موقف يعكس المخاوف المحلية من أن تؤدي الحوادث الفردية إلى توترات أوسع.
المحاسبة أمام اختبار تكرار الحوادث
وتضع هذه الوقائع قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على منع تكرار العنف ومحاسبة المسؤولين عنه أمام اختبار جديد، ولا سيما عندما تنتقل الخلافات الفردية من نطاقها المحدود إلى اعتداءات جماعية أو استخدام الأسلحة ضد المدنيين.
وفي الحادثتين، أعلنت السلطات عن إجراءات أمنية وتحقيقات للكشف عن ملابسات الوقائع وتحديد المسؤولين عنها، إلا أن النتائج التي ستصل إليها التحقيقات ومسار المحاسبة اللاحق سيشكلان مؤشراً مهماً على مدى قدرة الإجراءات الرسمية على الحد من تكرار حوادث مماثلة.
وبينما تختلف ظروف كل حادثة عن الأخرى، فإن تزامنهما مع استمرار تسجيل جرائم جنائية في مناطق مختلفة يعيد ملف ضبط السلاح وتطبيق القانون إلى صدارة القضايا الأمنية، خصوصاً في الحالات التي تفشل فيها التسويات المحلية في منع تصاعد الخلافات.
اقرأ أيضاً:لجنة التحقيق الدولية تحذر من الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا