أمبيرات القامشلي تتوقف.. تسعيرة جديدة تكشف ارتباك إدارة المحروقات في الحسكة
لم تحتج القامشلي إلى قرار جديد كي تعرف حجم أزمة الكهرباء؛ يكفي أن تنطفئ مولدات “الأمبيرات” حتى تغرق المدينة سريعاً في العتمة. وهذا ما حدث بعد اعتراض عدد من أصحاب المولدات على التسعيرة الجديدة التي أصدرتها مديرية منطقة القامشلي، في مشهد يعكس ارتباكاً أوسع في إدارة ملف الطاقة والمحروقات خلال المرحلة الانتقالية.
القرار، الذي صدر في 2 أيلول، حدد سعر الأمبير وفق ساعات التشغيل، فيما أكدت مديرية خدمات الطاقة في الحسكة أن صلاحية تنظيم المحروقات وتسعيرها تعود إلى جهات محددة قانونياً، وأن العمل يتجه نحو توحيد التعامل مع المشتقات النفطية في مختلف المناطق السورية.
تسعيرة جديدة.. ومولدات متوقفة
حددت التسعيرة الجديدة 700 ليرة سورية جديدة للأمبير مقابل أربع ساعات تشغيل، و1050 ليرة لست ساعات، و1400 لثماني ساعات، وصولاً إلى 2800 ليرة لـ16 ساعة و3500 ليرة لـ20 ساعة، وفق جدول مرفق بالقرار.
لكن التسعيرة لم تجد طريقها بسهولة إلى أرض الواقع. فقد أوقف عدد من أصحاب المولدات تشغيل مولداتهم، معتبرين أن الأسعار المحددة لا تتناسب مع تكاليف التشغيل، ولا سيما بعد الحديث عن توقف توزيع المازوت الخدمي.
وقال صاحب مولدة في القامشلي، سليمان داوود، إن أصحاب المولدات “أطفأوا مولداتهم” لأن السعر الجديد لا يسمح لهم بالاستمرار، مشيراً إلى أن سعر ليتر المازوت الذي يشترونه يتراوح بين 120 و140 ليرة سورية جديدة.
وبينما تتعثر المولدات بين كلفة الوقود وسقف التسعيرة، يجد السكان أنفسهم أمام معادلة أكثر قسوة: دفع مبالغ إضافية للحصول على الكهرباء، أو العودة إلى ساعات طويلة من الظلام.
مدينة تدفع ثمن تضارب القرارات
قال سكان إن توقف المولدات أدى خلال ساعات إلى انقطاع واسع لخدمة الأمبيرات، في ظل عدم استقرار التغذية الكهربائية النظامية. وأشار أحد سكان القامشلي إلى أن بعض أصحاب المولدات بدأوا الحديث عن تسعيرة تبلغ 15 دولاراً للأمبير مقابل سبع ساعات تشغيل، ما يعني أن الأسرة المشتركة بأربعة أمبيرات قد تدفع نحو 60 دولاراً شهرياً.
المشكلة هنا لا تبدو مجرد خلاف على سعر خدمة، بل نتيجة مباشرة لغياب صيغة مستقرة لإدارة قطاع يعتمد عليه السكان لسد عجز الكهرباء العامة. فالمواطن يجد نفسه أمام أسعار تتغير، ومصادر وقود تتبدل، وقرارات تصدر من جهات مختلفة، فيما تبقى الخدمة نفسها غير مضمونة.
من يملك قرار المحروقات؟
يزيد المشهد تعقيداً تضارب الصلاحيات. مدير خدمات الطاقة في الحسكة، مهند الكاطع، أوضح أن فرع محروقات الحسكة يتبع للشركة السورية للمحروقات، بينما تتولى مديرية خدمات الطاقة مهام تتعلق بمراقبة الجودة والأسعار والتوزيع، في حين توجد هيئة مختصة بالتسعير ضمن وزارة الطاقة.
وبحسب الكاطع، لا تملك الهيئات والمديريات الأخرى صفة قانونية لاتخاذ قرارات تخص المحروقات، حتى لو وُجهت إليها كتب أو تعليمات محلية، معتبراً أن بعض القرارات المؤقتة قد تظهر خلال مرحلة استكمال الاندماج الإداري.
لكن بالنسبة للسكان، لا تبدو هذه التفاصيل الإدارية ترفاً قانونياً. فكل ارتباك في تحديد الجهة صاحبة القرار ينعكس مباشرة على سعر المازوت، وكلفة تشغيل المولدات، وفي النهاية على فاتورة الكهرباء التي يدفعها المواطن.
توحيد المحروقات.. إلى متى؟
تقول مديرية خدمات الطاقة إن المرحلة المقبلة ستقوم على توحيد مواصفات المشتقات النفطية ومنع تداول المواد المنتجة عبر “الحراقات”، مع تطبيق العقوبات على المحطات أو الجهات التي تستخدم مواد مجهولة المصدر أو غير مطابقة للمواصفات.
وأعلنت المديرية تفعيل أكثر من 150 محطة وقود في الحسكة، مؤكدة أن هذه المحطات تستجر المازوت والبنزين من الشركة السورية للمحروقات.
غير أن الانتقال من تعدد مصادر الوقود إلى منظومة موحدة لا يبدو مساراً سلساً، خصوصاً عندما تأتي القرارات التنظيمية المحلية قبل اكتمال الصورة القانونية والإدارية. وبينما تتحدث الجهات الرسمية عن نهاية “الفوضى”، لا يزال المواطن في القامشلي يدفع ثمن مرحلة لم تستقر قواعدها بعد.
فالمشكلة لم تعد في غياب الكهرباء وحده، بل في غياب إدارة واضحة ومستقرة لبدائلها أيضاً. وحين تتوقف المولدات، لا ينكشف عجز الخدمة فقط، بل ينكشف معه ارتباك منظومة كاملة يفترض أن تكون مهمتها تأمين الطاقة لا زيادة كلفة الحصول عليها.
اقرأ أيضاً: ريف دمشق يحدد سعراً جديداً لـ “الأمبيرات”: 9000 ليرة للكيلوواط.. ويُلزم المولدات بـ “مخمدات صوتية”