موسكو تعيد ترتيب أوراقها في سوريا… سفير جديد لمهمة إنقاذ النفوذ الروسي المتراجع

لم يكن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنهاء مهام سفير بلاده لدى سوريا ألكسندر إيفيموف وتعيين ديمتري دوغادكين خلفاً له مجرد تبديل دبلوماسي في قائمة السفراء، بل جاء في لحظة تبدو فيها خريطة النفوذ داخل سوريا أكثر هشاشة وتعقيداً من أي وقت مضى.

فبينما تحاول دمشق في المرحلة الانتقالية إعادة بناء شبكة علاقاتها الخارجية والانفتاح على عواصم عربية وغربية، تجد موسكو نفسها أمام واقع جديد لم تعد فيه اللاعب الوحيد القادر على رسم حدود العلاقة مع سوريا، بعد سنوات اعتمد خلالها نفوذها بصورة أساسية على التحالف العسكري والسياسي مع النظام السابق.

ونشرت الجمعية الاتحادية الروسية المراسيم الخاصة بالتغيير الدبلوماسي، متضمنة إعفاء إيفيموف من منصبه ممثلاً خاصاً للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع سوريا، وتعيين دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً لدى دمشق.

سفير بخبرة المنطقة لا بماضي التحالف

يحمل اختيار دوغادكين دلالات تتجاوز الجانب البروتوكولي، فهو دبلوماسي يمتلك معرفة مباشرة بسوريا والمنطقة، إذ سبق أن عمل في السفارة الروسية بدمشق، ويتحدث العربية، كما شغل منصب سفير موسكو لدى سلطنة عُمان وقطر، وترأس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الروسية.

ويرى مراقبون أن موسكو اختارت شخصية قادرة على التحرك في بيئة سياسية مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقات السورية الروسية خلال العقود الماضية، حيث لم تعد دمشق اليوم مرتبطة بمحور واحد، بل تبحث عن مساحة أوسع من الخيارات الدولية في ظل حاجة ملحة للخروج من العزلة وإعادة تنشيط الاقتصاد.

لكن المهمة أمام السفير الجديد تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى، إذ سيكون مطالباً بإعادة تعريف الدور الروسي داخل سوريا، بعدما فقدت موسكو جزءاً من قدرتها على التأثير المباشر، وأصبحت مضطرة إلى استخدام أدوات الدبلوماسية والاقتصاد بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.

القواعد الروسية تحت اختبار المرحلة الجديدة

يبقى الملف العسكري في مقدمة أولويات موسكو، ولا سيما مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس اللتين تمثلان ركائز الوجود الروسي في شرق المتوسط.

وتدرك موسكو أن خسارة هذا الوجود ستشكل ضربة استراتيجية لنفوذها الإقليمي، لذلك من المتوقع أن يعمل دوغادكين على تثبيت العلاقة العسكرية ضمن ترتيبات جديدة تراعي التحولات السياسية في دمشق، وتحاول ضمان استمرار المصالح الروسية في مرحلة مختلفة جذرياً عن السابق.

إلا أن بقاء النفوذ الروسي لن يكون مضموناً كما كان، فدمشق باتت أمام حسابات متعددة، فيما تسعى قوى إقليمية ودولية إلى توسيع حضورها في الملف السوري، الأمر الذي يحول البلاد إلى ساحة تنافس مفتوحة أكثر من كونها مساحة نفوذ روسية خالصة.

الاقتصاد… المعركة الجديدة على النفوذ

لا يقتصر الرهان الروسي على السياسة والقواعد العسكرية، بل يمتد إلى ملفات الطاقة والموانئ والتجارة وإعادة الإعمار، وهي قطاعات باتت تشهد منافسة متزايدة مع دخول أطراف عربية وغربية على خط العلاقة مع دمشق.

وتحتاج موسكو اليوم إلى تقديم شراكات اقتصادية حقيقية قادرة على منافسة البدائل الأخرى، بعدما أثبتت السنوات الماضية أن النفوذ العسكري وحده لا يكفي لضمان حضور طويل الأمد في بلد يعاني أزمة اقتصادية خانقة ويحتاج إلى استثمارات واسعة.

ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية على موسكو داخل الساحة السورية، إذ كشفت تقارير عن استعداد دمشق لتقليص وارداتها من النفط الروسي ضمن مباحثاتها مع واشنطن بشأن رفع العقوبات المتبقية.

ويعكس ذلك حجم التحول في المشهد السوري؛ فروسيا التي كانت الطرف الأكثر حضوراً في دمشق خلال سنوات النظام السابق، تجد نفسها اليوم أمام مرحلة تفاوض جديدة، تحاول فيها الحفاظ على موطئ قدمها وسط منافسة دولية متصاعدة وتوازنات لم تعد تملك وحدها مفاتيحها.

تعيين دوغادكين لا يعني خروج روسيا من سوريا، لكنه يكشف بوضوح أن موسكو باتت تدرك أن قواعد اللعبة تغيرت، وأن الحفاظ على النفوذ في سوريا الجديدة يحتاج إلى أدوات مختلفة، في وقت تبقى فيه البلاد عالقة بين صراعات المصالح الدولية وحسابات القوى الكبرى.

 

اقرأ أيضاً: تحفظات مصرية تؤجل اعتماد السفير السوري الجديد في القاهرة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.