المؤشر العربي في سوريا 2026.. تفاؤل سياسي يقابله ضغط معيشي وتراجع في الخدمات
تعكس نتائج «المؤشر العربي في سوريا 2026» صورة متباينة لاتجاهات الرأي العام، إذ يبدي نصف المستجيبين تفاؤلاً بمسار البلاد بعد التغيّرات السياسية، مدفوعين بتقييم إيجابي للأوضاع الأمنية والسياسية، في مقابل استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، إلى جانب مخاوف تتعلق بالاستقرار والأمن والخدمات.
وأظهر الاستطلاع، الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، أن 50% من المشاركين يعتقدون أن سوريا تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 35% يرون أنها تسير في الاتجاه الخاطئ. وعزا أصحاب النظرة الإيجابية مواقفهم إلى انتهاء حكم النظام السابق، والإفراج عن المعتقلين، وتحسن الوضع الأمني، والتوجه نحو الاستقرار، ورفع العقوبات الدولية.
وشمل الاستطلاع عينة من 3600 شخص، وطرح أكثر من 500 سؤال تناولت الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونُفذ العمل الميداني خلال أيلول وتشرين الأول الماضيين، بمشاركة أكثر من 100 باحث، وفقاً للبيانات المنشورة عن المؤشر.
تفاؤل أمني وسياسي مقابل تقييم اقتصادي أقل
وتظهر النتائج تفاوتاً في تقييم المستجيبين لأوضاع البلاد، إذ وصف 68% الوضع الأمني بأنه جيد أو جيد جداً، مقابل 63% قيّموا الوضع السياسي بالإيجابية نفسها. في المقابل، لم تتجاوز نسبة من وصفوا الوضع الاقتصادي بأنه جيد أو جيد جداً 41%، ما يعكس فجوة بين الشعور بتحسن الاستقرار وبين القدرة على تلبية متطلبات الحياة اليومية.
وعند سؤال المشاركين عن أبرز التحديات التي تواجه سوريا، وضع أكثر من 42% المشكلات الاقتصادية في المرتبة الأولى، بينما رأى 33% أن التحديات السياسية هي الأكثر إلحاحاً. وشملت المخاوف السياسية احتمالات تقسيم البلاد والتدخلات الخارجية وتوغلات جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، إلى جانب غياب الأمن وخطر الإرهاب والخطاب الطائفي.
كما برزت ملفات إعادة الإعمار ومكافحة الفساد المالي والإداري وضعف الخدمات العامة ضمن التحديات التي تواجه البلاد.
وعلى المستوى المعيشي، قال 13% فقط إن دخل أسرهم يغطي الاحتياجات الأساسية ويسمح لهم بالادخار، بينما أفاد 55% بأنه يكفي لتغطية الاحتياجات من دون إمكانية الادخار. في المقابل، ذكر 30% أن دخل أسرهم لا يغطي الاحتياجات الأساسية.
وتلجأ أسر تواجه عجزاً في الدخل إلى الاستدانة من الأقارب والأصدقاء والمعارف، أو إلى طلب المساعدات. وأفاد 40% من المشاركين بأن أسرهم تتلقى تحويلات مالية من خارج سوريا، بصورة منتظمة أو متقطعة، ما يشير إلى أهمية تحويلات المغتربين وشبكات الدعم العائلي في مواجهة الضغوط المعيشية.
تكاليف التعليم والعلاج تحدّ من الوصول إلى الخدمات
وتكشف نتائج الاستطلاع أن وجود المؤسسات الخدمية لا يعني بالضرورة قدرة السكان على الاستفادة منها، في ظل تكاليف مرتفعة ونقص في بعض الكوادر والمستلزمات.
وفي قطاع التعليم، قيّم 62% جودة التعليم المدرسي المتاح في مناطقهم بأنها جيدة أو جيدة جداً، مقابل 23% وصفوها بأنها سيئة أو سيئة جداً. وجاءت كلفة التعليم في مقدمة العوائق التي تحول دون الوصول إليه أو الاستمرار فيه، بنسبة 35%، تلاها ضعف الجودة بنسبة 17%، ثم نقص المدرسين والكوادر التعليمية بنسبة 11%، وعدم توافر الكتب والمستلزمات بنسبة 7%.
أما في القطاع الصحي، فأشار 69% إلى وجود عيادة أو مركز طبي حكومي في مناطقهم، و44% إلى وجود مستشفى حكومي، بينما ذكر 41% وجود مستشفى خاص. ووصف 54% جودة الخدمات الصحية الحكومية بأنها جيدة أو جيدة جداً، في مقابل 39% اعتبروها غير جيدة.
وتصدرت تكاليف العلاج قائمة العوائق أمام الحصول على الرعاية الصحية بنسبة 33%، تلتها أسعار الأدوية بنسبة 16%، ثم نقص الأطباء والاختصاصيين بنسبة 12%.
وسجلت الخدمات الأساسية الأخرى تقييماً متفاوتاً؛ إذ أبدى 45% رضاهم عن خدمات النقل والمواصلات، وأفاد 44% بتوافر المياه، مقابل 40% قالوا إن الكهرباء متوافرة في أماكن سكنهم. كما بلغت نسبة التقييم الإيجابي لخدمات النظافة العامة 37%، ولتوافر الوقود 36%.
وفي مؤشر على استمرار الضغوط التي تدفع إلى التفكير بالهجرة، قال 29% من المشاركين إنهم يرغبون في مغادرة البلاد. وأرجع 55% من أصحاب هذه الرغبة موقفهم إلى الظروف المعيشية، ولا سيما البطالة وارتفاع الأسعار، تليها أسباب أمنية وسياسية. ولا تعكس هذه النسبة أعداد المهاجرين الفعليين، لكنها تشير إلى استمرار حضور خيار الهجرة لدى شريحة من السكان.
تقييم متباين لأداء الحكومة والحقوق والحريات
وعلى صعيد الحقوق والحريات، رأى أكثر بقليل من نصف المشاركين أن السلطات نجحت في ضمان حرية التعبير والتجمع وإشراك المواطنين في الحوار، فيما قال 54% إنها نجحت في احترام حقوق الإنسان، و50% في إنهاء التمييز بين المواطنين.
وفي ما يتعلق بتطبيق القانون، اعتبر 47% أن الدولة تطبقه على الجميع بالتساوي إلى حد بعيد، بينما رأى 36% أن التطبيق يتضمن محاباة لبعض الفئات على حساب أخرى.
وتفاوت تقييم أداء الحكومة بحسب الملفات المطروحة؛ إذ أبدى 58% موقفاً إيجابياً من حماية الأملاك الخاصة، فيما تجاوزت نسبة من رأوا نجاح السلطات في مكافحة السرقة والإرهاب والتطرف 50%. كذلك قيّم 71% عملية دمج الفصائل المسلحة في الجيش بأنها تحققت بدرجة كبيرة أو متوسطة.
في المقابل، جاءت التقييمات المتعلقة بالملفات الاقتصادية أقل إيجابية، إذ لم تتجاوز نسبة من رأوا أن أداء الحكومة ناجح في ضبط الأسعار ومعالجة البطالة وضبط سعر الصرف 50%. وأفاد 88% بأن الفساد المالي والإداري موجود بدرجات متفاوتة.
وفي ملف العدالة الانتقالية، قال 59% إنهم لا يعرفون عن هيئة العدالة الانتقالية، مقابل 39% أفادوا بمعرفتهم بها. ومن بين الذين يعرفون الهيئة، قيّم 76% أداءها بأنه جيد أو جيد جداً.
وأيد 74% أن تشمل العدالة الانتقالية جميع المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، بينما رأى 22% ضرورة اقتصارها على مسؤولي النظام السابق. كما وافق 77% على أن تحقيق العدالة الانتقالية ينبغي أن يتم عبر تقديم المتهمين إلى القضاء ومحاكمتهم بما يضمن حقهم في الدفاع عن أنفسهم.
تأييد أوسع للديمقراطية والتعددية
وأظهرت النتائج ارتفاعاً في تأييد النظام الديمقراطي، إذ وافق 76% على أن الديمقراطية، رغم مشكلاتها، أفضل من الأنظمة الأخرى، بزيادة 16 نقطة مئوية مقارنة باستطلاع عام 2025، مقابل 12% عارضوا هذا الرأي.
واعتبر 74% أن النظام الذي يضمن التعددية السياسية وتداول السلطة وفصل السلطات هو الأنسب لسوريا، فيما لم تتجاوز نسبة تأييد أي من الأنظمة الأخرى 9%.
كما عارض 57% القول إن الديمقراطية تتعارض مع الإسلام، و59% اعتبار أن الأداء الاقتصادي يكون سيئاً في ظلها، و63% القول إنها لا تساعد على الحفاظ على النظام العام.
وبلغ متوسط تقييم قدرة المواطنين على انتقاد الحكومة من دون الخوف من العواقب 6.4 درجات من أصل 10، مقارنة بـ6.1 درجات في استطلاع 2025. وأبدى 55% قبولهم تولي حزب سياسي لا يتفقون معه السلطة إذا فاز في انتخابات حرة ونزيهة.
وفي ما يتعلق بإمكانية تأسيس حزب سياسي يمثل السلطة، أيد 54% الفكرة، لكن 25% فقط قالوا إنهم قد ينتسبون إليه في حال تأسيسه.
وعلى مستوى الهوية الوطنية، رأى 61% أن السوريين نجحوا، بدرجات متفاوتة، في الاندماج ضمن إطار وطني جامع. وعند سؤالهم عن العناصر التي تشكل هويتهم، جاءت الثقافة السورية في المرتبة الأولى بنسبة 22%، تلتها اللغة العربية بنسبة 14%، ثم الدين الإسلامي والعيش على الأرض السورية بنسبة 10% لكل منهما، والعادات والتقاليد والولاء للوطن بنسبة 9% لكل منهما.
وأيد 87% عدم جواز التشكيك في وطنية أي شخص أو انتمائه بسبب معارضته سياسات الحكومة، بزيادة 20 نقطة مئوية عن استطلاع العام السابق.
كما تراوحت نسبة الذين لا يمانعون العيش إلى جانب أشخاص من ديانات أو مذاهب أو قوميات أو ثقافات أو لغات مختلفة بين 75 و78%. وعارض 95% محاولات فرض نمط حياة أو ثقافة محددة على أفراد المجتمع، بينما أيد 66% أن يكون فصل الدين عن السياسة أفضل، مقابل 30% عارضوا ذلك.
في المقابل، أفاد 90% بأن الناس يصنفون أنفسهم والآخرين على أسس مذهبية ودينية وإثنية بدرجات متفاوتة. وعزا 49% التوترات بين المواطنين على أساس المذهب أو الدين إلى تدخلات خارجية، فيما ربطها 38% بغياب ثقافة المواطنة.
مواقف من السياسة الخارجية والقضية الفلسطينية
وفي تقييم السياسة الخارجية، قال 66% إنها تعبّر عن آرائهم، مقابل 28% لم يوافقوا على ذلك. وعلى النقيض، رأى 52% أن السياسات الاقتصادية الداخلية لا تعبّر عن آرائهم، مقابل 44% اعتبروا أنها تمثلهم.
وبشأن مجلس الشعب، رأى 54% أن تشكيلته تمثل قطاعات المجتمع وفئاته، فيما اعتبر 63% أنه مستقل عن السلطة التنفيذية بدرجات متفاوتة، مقابل 23% قالوا إنه غير مستقل على الإطلاق. وأبدى 72% استعدادهم للمشاركة في انتخابات نيابية أو رئاسية إذا أُجريت في اليوم التالي للاستطلاع، مقابل 20% قالوا إنهم لن يشاركوا.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، اعتبر 74% أنها قضية جميع العرب، وأعلن 80% رفضهم الاعتراف بإسرائيل، بزيادة أربع نقاط مئوية عن استطلاع العام السابق. كذلك رأى 96% أن إسرائيل تهدد الاستقرار في سوريا، وعارض 74% إبرام أي اتفاق معها من دون استعادة الجولان السوري.
لكن المواقف من اللقاءات المباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين جاءت أكثر تبايناً؛ إذ اعتبر 41% أنها تصب في مصلحة سوريا، مقابل 49% رأوا أنها لا تحقق مصلحة للبلاد.
إقليمياً، قال 79% إن سكان العالم العربي يشكلون أمة واحدة. وصنّف 61% إسرائيل باعتبارها الجهة الأكثر تهديداً لأمن سوريا، تلتها إيران بنسبة 20%. وعلى مستوى أمن المنطقة العربية، جاءت إسرائيل في المرتبة الأولى بنسبة 58%، وهي النسبة ذاتها المسجلة في استطلاع 2025، فيما ارتفعت نسبة من اعتبروا إيران التهديد الأبرز إلى 24%، مقارنة بـ12% في العام السابق.
كما عكست النتائج مواقف نقدية من الدور الأميركي في المنطقة؛ إذ وافق 76% على أن الولايات المتحدة شنت الحرب على إيران نيابة عن إسرائيل، ورأى 66% أنها خاضت الحرب وتركت الدول العربية تتحمل تبعاتها، فيما اعتبر 62% أنها لم تدافع عن حلفائها العرب وتركتهم مكشوفين أمام إيران.
وتظهر نتائج المؤشر، في مجملها، تبايناً بين التفاؤل حيال التحولات السياسية والأمنية وبين استمرار المخاوف الاقتصادية والخدمية. وبينما تتسع مؤشرات التأييد للديمقراطية والتعددية والهوية الوطنية الجامعة، لا تزال قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها، والحصول على الخدمات الأساسية، ومواجهة الفساد والبطالة، من أبرز الملفات التي تختبر ثقة السوريين بمسار المرحلة المقبلة.