لماذا لا تريد “إسرائيل” الوصول إلى اتفاق أمني مع دمشق..؟

داما بوست - يمان العبود

تحاول الحكومة الانتقالية السورية ومن خلال جهات متعددة الوصول إلى اتفاق أمني مع “إسرائيل” على اعتبار أن هذا الاتفاق واحد من الخطوات الأساسية لتثبيت أركان الحكم الجديد في سوريا إلا أن الجانب الإسرائيلي يماطل في المفاوضات ويفرض شروطا تعتبرها دمشق تعجيزية، وذلك برغم الكثير من الخطوات التي قدمتها دمشق كإجراءات لتثبيت الثقة من بينها تسليم اثنين من الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا خلال معركة “السلطان يعقوب”، في العام 1982، إضافة إلى الأرشيف الكامل المتعلق بـ الجاسوس الإسرائيلي “إيلي كوهين” الذي أعدم في دمشق في العام 1965.

وتقول مصادر دمشقية في حديثها لشبكة “داما بوست”، إن “تل أبيب” غير مستعجلة نهائياً في الوصول إلى أي صيغة اتفاق مع الحكومة الانتقالية لأسباب متعددة من أبرزها المنجز العسكري المجاني الذي حصلت عليه “تل أبيب” بدخول مساحات واسعة من الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع وجود معلومات تشير إلى أن الاحتلال يسعى لضم الأراضي التي سيطر عليها إلى خارطته بشكل نهائي، وينعكس ذلك من خلال تبليغ سكان بعض المناطق بأن يقوموا ببيع كل ما يمتلكونه من عقارات خارج المنطقة التي تسمى بـ “العازلة”، إذا ما أرادوا البقاء في مناطقهم الأصلية، مع إمكانية مغادرة المنطقة بشكل نهائي لمن يرغب، كما أن الاحتلال عيّن عدة أشخاص في منصب “مختار”، في بعض القرى التي سيطر عليها مؤخراً بعد رفض المخاتير القدامى التعاون مع قوات الاحتلال في مسائل من قبيل توزيع المساعدات أو التبليغ عن الأشخاص الذين كانوا مرتبطين بالقوات السورية وحزب الله، علما أن المنطقة الجنوبية من سوريا لم تشهد نشاطاً مستداماً للحزب في أي مرحلة من عمر الحرب السورية.

كما تشير المصادر إلى أن “إسرائيل” تطالب بخفض الوجود العسكري التركي في الداخل السوري والإبقاء على بعض النقاط التركية في مناطق الشمال السوري، وإبعاد الشخصيات الأجنبية المتطرفة عن المراكز القيادية في المؤسستين الأمنية والعسكرية، كما إنها تطالب بفتح ممر آمن لقوافلها البرية باتجاه السويداء بما يسمح بربط المحافظة ذات الغالبية الدرزية بالأراضي المحتلة، على أن تعترف دمشق أيضاً بأحقية العمل الإسرائيلي داخل الأراضي السورية ضد كل ما تعتبره “تل أبيب” مهدداً لأمنها القومي، لكن هذا البند تحديداً يعد فضفاضاً إذ تقوم القوات الإسرائيلية بين الحين والآخر بضرب مواقع عسكرية سورية بزعم أن تنامي القوة العسكرية السورية وإعادة ترميم أسلحة الجو والدفاع الجوي وحتى القوات البحرية تهديداً لأمنها القومي.

وفي هذا الإطار تؤكد المصادر أن المعلومات التي تتحدث عن مطالبة “تل أبيب” بأن يكون قوام الجيش السوري من ثلاثين ألف مقاتل في الحد الأقصى معلومات دقيقة، إذ تجد حكومة الكيان أن دمشق ليست بحاجة لوجود جيش قوي طالما ستكون على وفاق مع الحكومة الإسرائيلية.

وتجد دمشق نفسها محرجة أمام جمهورها إذا ما قبلت بالشروط الإسرائيلية، كما أنها تعتبر أن خفض عدد القوات الأمنية والعسكرية يعني أن التهديدات الداخلية من المحتمل أن تعود بقوة وبالتالي من الممكن أن تهدد سلامة النظام الحاكم، وعلى الرغم من تقديمها كل التعهدات والتطمينات الممكنة لتثبت لـ “تل أبيب” أن حالة العداء معها لن تكون موجودة في “الجمهورية الجديدة”، إلا أن الحكومة الإسرائيلية تصر على شروطها، مع مواصلة الخطوات الاستعمارية التي تثبت من خلالها الوجود المستدام لقواتها في الجنوب السوري ومرتفعات جبل الشيخ، والأمر قد يكون تحضيراً لإقامة مستوطنات في الجنوب السوري، تفرض من خلالها السيطرة المدنية الشكل على القطاع الزراعي، وعلى منابع المياه العذبة في الجنوب، مع الإشارة هنا إلى أن “إسرائيل” تواجه مشكلة حقيقية في قضايا الأمن المائي، حيث تعتمد بما نسبته 80 بالمئة من احتياجها اليومي للماء على محطات تحلية مياه البحر، ومؤخراً توقفت معظم محطات التحلية عن العمل بسبب ارتفاع نسبة التلوث، وهكذا ستكون المنابع السورية واحدة من الأدوات التي قد ينجو فيها الكيان من مشكلة خطرة مثل تأمين مياه الشرب.

وضمن هذه الأجواء لا يبدو أن الوصول إلى اتفاق أمني أو حتى اتفاق تطبيع كامل بين “إسرائيل” ودمشق ممكنة في المرحلة الحالية أياً كانت التنازلات التي تقدمها الحكومة الانتقالية، فـ “إسرائيل” تحقق ما تريد من مكاسب اقتصادية وعسكرية بشكل مجاني، وأي صيغة لاتفاق يمكن الوصول إليها ستعني أن على “إسرائيل” إيقاف المشاريع التوسعية في الداخل السوري، والخروج من الملفات الداخلية التي تستثمرها لممارسة الضغوط السياسية على دمشق، كما إنها ستكون ملزمة بوجود صيغة قانونية لوجودها في الجولان المحتل والقبول بالعرض الذي قدمته دمشق في مرحلة سابقة وتوقيع اتفاق لـ “تأجير الجولان”، قابل للتمديد مقابل مبالغ مالية تحصل عليها الحكومة السورية التي تقدم تثبيت أركان الحكم والوصول إلى مصادر تمويل للحكومة على المصلحة الوطنية، وطالما بقيت “إسرائيل” مصرة على عدم الوصول إلى اتفاق من خلال ما تفرضه من شروط تعجيزية فإن دمشق ستكون أمام مرحلة جديدة من تقديم التنازلات السياسية والاقتصادية، ما قد يحرجها أمام جمهورها أكثر، ويضعها في مأزق سياسي أمام حلفاءها المختلفين مع “إسرائيل” في الملف السوري مثل الحكومة التركية التي تجد في “تل أبيب” منافساً قوياً جداً فيما يتعلق بقطف ثمار مرحلة ما بعد إسقاط نظام الأسد.

إقرأ أيضاً: التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا: قراءة في دلالات استهداف مطار أبو الظهور العسكري

إقرأ أيضاً: التنافس التركي – الإسرائيلي يتزايد في سوريا.. أنقرة تحكم دمشق فعلياً

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.