الفرات يستعيد مجراه.. ودير الزور تحصي خسائر الفيضان بين المنازل ومحطات المياه

لم يكن ارتفاع منسوب نهر الفرات في دير الزور مجرد حادثة موسمية عابرة، بل مشهداً أعاد التذكير بقوة الجغرافيا وقدرتها على استعادة ما كان لها يوماً. فالمياه التي تمددت خارج ضفافها خلال الأيام الماضية أعادت رسم حدود النهر، ووضعت مناطق كاملة أمام اختبار جديد بين الطبيعة وهشاشة البنية التحتية.

ومع بدء تراجع مناسيب المياه تدريجياً، بدأت تتكشف صورة الأضرار الأولية التي خلفها الفيضان، والتي تركزت بصورة رئيسية في منطقتي حويجة صكر وحويجة كاطع الواقعتين ضمن سرير نهر الفرات.

وبحسب رئيس فرع نقابة المهندسين في دير الزور، أسامة محمد، فإن المنطقتين شهدتا خلال السنوات الماضية توسعاً عمرانياً بعد انحسار المياه، رغم أن جزءاً كبيراً من الأراضي المقامة عليها الأبنية يعود في الأصل إلى أملاك الدولة. هذا الواقع جعلها من أكثر المناطق عرضة لتأثيرات الفيضان مع ارتفاع مناسيب النهر.

وتشير التقديرات الأولية إلى تضرر نحو 30 منزلاً بعد دخول المياه إليها وارتفاع منسوبها داخل بعض الأبنية إلى قرابة 40 سنتيمتراً، الأمر الذي حال دون إجراء تقييم فني دقيق حتى الآن، في انتظار انحسار المياه بشكل كامل وتمكين الفرق الهندسية من الوصول إلى المواقع المتضررة.

ولم تتوقف آثار الفيضان عند حدود المنازل، بل امتدت إلى واحدة من أكثر القطاعات حساسية في المحافظة. فقد خرجت عشرات محطات تصفية المياه عن الخدمة على ضفتي الفرات في منطقتي الشامية والجزيرة، ما فرض تحدياً إضافياً أمام الجهات الخدمية. وأوضح محمد أن فرق الطوارئ تمكنت من إعادة عدد من المحطات إلى العمل، فيما جرى تدعيم عشرات المحطات الأخرى عبر سواتر ترابية لمنع وصول المياه إليها.

كما أعاد الفيضان إلى الواجهة ملف البنية التحتية المتهالكة في المحافظة، ولا سيما الجسور والمعابر التي تربط ضفتي النهر. ويشير محمد إلى أن الأهالي يواجهون صعوبات متزايدة في التنقل بعد انهيار عدد من المعابر الترابية، في وقت ما تزال فيه الجسور الرئيسية التي دمرت خلال سنوات الحرب خارج الخدمة، ما يجعل الحاجة إلى إعادة تأهيلها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ورغم حجم الأضرار المسجلة على ضفاف النهر، تؤكد المعطيات الفنية أن بقية أحياء مدينة دير الزور ما تزال بعيدة عن دائرة الخطر. ويقول محمد: “لا توجد حالياً مؤشرات على تصدعات أو انهيارات في الأبنية داخل المدينة”، موضحاً أن المخاطر تتركز حصراً في المناطق الواقعة ضمن مجرى النهر والمعرضة بطبيعتها للغمر عند حدوث أي فيضان.

وفي موازاة الجهود الفنية، تواصل فرق الهلال الأحمر والجهات المعنية عمليات إجلاء الأسر المتضررة وتأمين مراكز إيواء مؤقتة وتوفير الاحتياجات الأساسية، فيما تستعد الفرق الهندسية لبدء عمليات الكشف والتقييم فور استقرار مناسيب المياه بشكل كامل.

وخلال الأيام الماضية، أجرت نقابة المهندسين بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة والإسكان جولات ميدانية في المناطق المتضررة لتقييم حجم الأضرار ووضع تصور أولي للإجراءات المطلوبة. وأكدت النقابة استعدادها لتقديم الدراسات الفنية والاستشارات الهندسية اللازمة للمباني والمنشآت المتضررة دون مقابل، في إطار دعم جهود الاستجابة والتعافي.

ومع تسجيل انخفاض ملحوظ في منسوب الفرات خلال الساعات الأخيرة، بدأت بعض المناطق تستعيد جزءاً من استقرارها، فيما لا تزال أجزاء من حويجة صكر تعيش آثار الفيضان بانتظار انحسار كامل للمياه. وبينما تنشغل الجهات المختصة بإحصاء الخسائر ومعالجة الأضرار، يبقى الفيضان تذكيراً جديداً بأن العلاقة بين دير الزور والفرات ليست مجرد علاقة مدينة بنهر، بل علاقة دائمة مع جغرافيا قادرة في أي لحظة على استعادة ذاكرتها ومجراها.

 

اقرأ أيضاً: انخفاض تدريجي في منسوب نهر الفرات بالرقة بعد فيضانات واسعة غمرت أراضٍ وقرى

اقرأ أيضاً: انحسار تدريجي لفيضانات الفرات شرق سوريا وبدء مرحلة تقييم الأضرار وإعادة التأهيل

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.