الحوالات الدولية عبر البريد السوري.. خدمة معلّقة على سعر الصرف والسيولة وثغرات التنفيذ
تعتزم المؤسسة السورية للبريد إعادة فتح نافذة الحوالات المالية الدولية قبل نهاية العام، في خطوة تُقدَّم باعتبارها توسعاً في الخدمات البريدية، لكنها تفتح في الوقت نفسه أسئلة جوهرية عن قدرة المنظومة المالية على تنفيذها بكلفة منافسة وتسوية منتظمة. فإعلان الاستعداد الفني لا يعني بالضرورة امتلاك مقومات التشغيل، خصوصاً في اقتصاد ما زال يعاني تعدد أسعار الصرف، ومحدودية السيولة، وضعف الثقة بالقنوات الرسمية.
وقال المدير العام للمؤسسة، عماد الدين حمد، إن التدابير الفنية والتشغيلية اتُّخذت بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي، تمهيداً لتفعيل الخدمة في المكاتب البريدية قبل نهاية العام. ويأتي ذلك بالتزامن مع إعادة تشغيل مكاتب في شمالي البلاد، بعد استعادة إدارتها من البريد التركي الذي تولى تشغيلها منذ عام 2017.
سعر الصرف يحدد قيمة الخدمة
المعضلة الأساسية لا تكمن في استقبال الحوالة، وإنما في تسويتها وتحديد المبلغ الذي يصل إلى المستفيد. فوفق التصور المصرفي الذي عرضه أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، عبد الرحمن محمد، يمكن تنفيذ العملية عبر شبكة دولية أو اتفاقيات ثنائية، على أن تتم التسوية بالعملة الأجنبية مع مصرف مراسل أو عبر حساب لدى مصرف سوريا المركزي، ثم تسليم المستفيد قيمتها بالليرة السورية وفق سعر الصرف المعتمد.
لكن هذا التصور لا يمثل آلية رسمية معلنة، كما أن نجاحه يتوقف على تأمين تغطية فعلية بالعملات الأجنبية. ويحذر محمد من أن غيابها قد يدفع إلى اللجوء للسوق الموازية، بما يرفع التكلفة ويخلق تفاوتاً في قيمة الحوالات.
وهنا تظهر مشكلة تتجاوز المؤسسة البريدية: كيف يمكن تقديم خدمة تحويل موثوقة في سوق لم تستقر فيه مرجعية سعر الصرف؟ فالمستفيد لا يعنيه عدد المكاتب التي ستقدم الخدمة بقدر ما يعنيه المبلغ الصافي الذي سيحصل عليه، والوقت الذي يستغرقه وصوله، وقدرته على استلامه دون عراقيل.
عمولات صغيرة تقتطع من دخل الأسر
وتزداد حساسية التكلفة لأن معظم الحوالات العائلية صغيرة ومتكررة. ويوضح مثال افتراضي أورده محمد أن حوالة بقيمة 200 دولار، على أساس سعر صرف يبلغ 10 آلاف ليرة، تعادل مليوني ليرة قبل الرسوم. وعند اقتطاع عمولة بنسبة 1%، ينخفض المبلغ إلى 198 دولاراً، أي مليون و980 ألف ليرة وفق السعر المفترض.
ولا تكفي مقارنة العمولات المعلنة للحكم على كلفة الخدمة؛ إذ قد يخفي سعر الصرف المطبق اقتطاعات أكبر من الرسم المباشر. ولذلك فإن غياب تسعير واضح ومعلن يترك المستفيد أمام تكلفة يصعب تقديرها مسبقاً.
إعادة تشغيل المكاتب لا تعني استعادة الثقة
تستند أهمية المشروع إلى تقديرات تتجاوز أربعة مليارات دولار للحوالات الواردة إلى سوريا خلال عام 2025، وهي تدفقات تعتمد عليها أسر كثيرة لتغطية الغذاء والصحة والتعليم. وقد يوسع البريد وصول هذه الأموال إلى المناطق الريفية، لكنه لن يحقق ذلك بمجرد إعادة فتح المكاتب أو توقيع مذكرات التعاون.
فالمطلوب شبكة نشطة، وسيولة متاحة، وربط تقني مع المصرف المركزي، وإجراءات رقابية تمنع التلاعب وغسل الأموال، إلى جانب نشر بيانات دورية عن حجم التحويلات ورسومها ونسب إنجازها. كما أن الحديث عن توجيه جزء من الحوالات نحو الادخار يظل طموحاً نظرياً ما لم تتوافر منتجات مالية موثوقة وقابلة للاستخدام.
في المحصلة، لا ينقص المؤسسة إعلان خدمة جديدة بقدر ما ينقصها إثبات القدرة على تشغيلها باستمرار وشفافية. فإعادة تأهيل المكاتب لا تعالج وحدها اختلالات السياسة النقدية، ومذكرات التفاهم لا تعوض غياب البنية المالية المتكاملة. وإذا بقي سعر الصرف ملتبساً والتسوية رهناً بتوفر القطع الأجنبي، فقد تتحول الحوالات الدولية إلى خدمة معلنة على الورق، محدودة الأثر في حياة الأسر التي يفترض أن تخدمها.
اقرأ أيضاً: عودة السوريين تغيّر معادلة الحوالات المالية: من يعوّض دخل الأسر؟