التبليغ القضائي الإلكتروني في سوريا يبدأ تجريبياً.. رقمنة تتقدم والقانون يضع حدودها
بدأت عدلية دمشق تشغيل خدمة التبليغ القضائي الإلكتروني بصورة تجريبية، في خطوة تقول الحكومة الانتقالية إنها تستهدف اختصار الوقت وتبسيط الإجراءات وتسريع الفصل في الدعاوى. غير أن الانتقال من الورق إلى الشاشة لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بمدى قدرة هذا الإجراء على الانسجام مع الإطار التشريعي القائم.
وأطلقت العدلية الخدمة الاثنين 31 آب، على أن تقتصر المرحلة الأولى على اختبارها ورصد الأخطاء والملاحظات قبل تعميمها بصورة أوسع، وفق المحامي العام في دمشق القاضي حسام خطاب، الذي ربط الخطوة بمسار التحول الرقمي وتطوير العمل المؤسساتي.
رقمنة القضاء تبدأ من التبليغ
تراهن وزارة العدل على التبليغ الإلكتروني لتقليص التأخير المرتبط بالإجراءات التقليدية، ولا سيما ما يتعلق بصعوبة الوصول إلى أطراف الدعاوى وطول الدورة الزمنية لإتمام التبليغات.
وكانت الوزارة أصدرت في أيار الماضي تعميماً باعتبار الوسائل الإلكترونية من وسائل التبليغ الرسمية، مع ترتيب الآثار القانونية نفسها المترتبة على التبليغ التقليدي.
لكن سرعة الإجراء لا تحسم وحدها مشروعيته. فالتبليغ القضائي يرتبط مباشرة بصحة الخصومة ومواعيد الطعن وحق الدفاع، ما يجعل أي خلل فيه قادراً على إنتاج أثر قانوني يتجاوز مجرد تعطل خدمة إلكترونية.
هل تكفي التعميمات؟
يطرح أستاذ القانون نزار حسن إشكالية أكثر جوهرية، مؤكداً أن طرق التبليغ القضائي محددة حصراً في قانون أصول المحاكمات المدنية، وأن استحداث وسيلة جديدة يحتاج إلى تعديل تشريعي يصدر عن مجلس الشعب.
وبحسب حسن، لا تملك أي جهة إدارية، بما فيها وزارة العدل، ابتداع طريقة تبليغ خارج ما نص عليه القانون النافذ. ويضع ذلك الحكومة الانتقالية أمام مفارقة واضحة: فهي تدفع باتجاه رقمنة القضاء، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بألا تتحول السرعة الإدارية إلى التفاف على النص التشريعي.
ولا تبدو هذه الفجوة تفصيلاً تقنياً. فنجاح التبليغ الإلكتروني يفترض تحديد آلية إثبات الوصول، وحماية البيانات، والتحقق من هوية المرسل إليه، وتوثيق توقيت التبليغ وآثاره، وكلها مسائل تحتاج إلى أساس قانوني صريح بقدر حاجتها إلى نظام تقني موثوق.
اختبار مبكر للقضاء الإلكتروني
تأتي الخطوة في وقت يعاني فيه الجهاز القضائي السوري من إرث طويل من الإجراءات الورقية والتعقيد الإداري، ما يجعل الرقمنة ضرورة أكثر منها ترفاً مؤسسياً.
لكن الاختبار الحقيقي للحكومة الانتقالية لن يكون في إطلاق منصة جديدة، بل في بناء منظومة قضائية إلكترونية لا تتقدم فيها التكنولوجيا على القانون.
فإذا نجحت التجربة في اختصار الوقت مع ضمان صحة التبليغ وحق التقاضي، يمكن أن تكون بداية فعلية لرقمنة القضاء. أما الاستمرار في إصدار إجراءات تنفيذية جديدة من دون استكمال السند التشريعي، فقد يحول مشروع التحديث نفسه إلى مصدر جديد للنزاع القانوني.
وفي القضاء تحديداً، قد يكون أسرع تبليغ هو الأقل قيمة إذا كان قابلاً للطعن.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية .. غرف قضائية جديدة وأسئلة معلّقة حول قدرة القضاء على إنصاف الضحايا