بين ضجيج المنصات وصمت المستثمرين.. كيف يدفع خطاب الكراهية الاقتصاد السوري الثمن؟
في زمن الاقتصاد الرقمي، لم تعد الاستثمارات تُقاس فقط بالمؤشرات المالية أو التقارير الرسمية، بل بالصورة التي ترسمها الدول عن نفسها على الشاشات الصغيرة. وفي سوريا التي تحاول شق طريقها نحو التعافي وإعادة الإعمار، تبدو معركة الثقة اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
على منصات التواصل الاجتماعي، تتصاعد موجات التحريض وخطابات الكراهية، لتتحول من مجرد منشورات عابرة إلى رسائل تلتقطها أعين المستثمرين وتعيد قراءتها بوصفها مؤشرات على مستوى الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالعالم لم يعد ينظر إلى الدول من نوافذ السفارات فقط، بل من خلال ما يتدفق يومياً عبر الفضاء الرقمي.
الباحث في الاقتصاد السياسي ميلاد مالك الأطرش يرى أن الاستقرار في الدول الخارجة من الأزمات لم يعد مفهوماً أمنياً أو سياسياً فحسب، بل بات يشمل البيئة الإعلامية والرقمية أيضاً. فالكلمة المنشورة على منصة إلكترونية قادرة على التأثير في قرارات اقتصادية واستثمارية تتجاوز حدود النقاش المحلي.
ويشير الأطرش إلى أن حملات التحريض والتضخيم الإعلامي، ولا سيما تلك التي تستهدف الأقليات، تخلق انطباعات سلبية لا تعكس بالضرورة الواقع الميداني. وبينما تستمر الحياة اليومية بصورة طبيعية في كثير من المناطق، تنتج المنصات رواية موازية تبدو أكثر توتراً، وتنتشر بسرعة تجعل أثرها أوسع من حقيقتها.
المشكلة لا تكمن فقط في صحة هذه الروايات أو خطئها، بل في قدرتها على تشكيل صورة ذهنية لدى الشركات والمؤسسات التي تراقب المشهد السوري قبل اتخاذ أي قرار استثماري. فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها، وعن مجتمع يدير خلافاته ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، لا عن مشهد يبدو غارقاً في الانقسام والصراع.
وفي بلد يحتاج بشدة إلى رؤوس الأموال وفرص العمل ومشاريع إعادة الإعمار، يصبح ثمن التحريض أعلى من مجرد خسارة معنوية. فكل استثمار يتردد، وكل مشروع يتأجل، ينعكس مباشرة على فرص التشغيل والنمو وتحسين مستوى المعيشة.
ويؤكد الأطرش أن الاستقرار الرقمي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الاستقرار الاقتصادي، وأن حماية الفضاء الإلكتروني من الكراهية والتضليل لم تعد قضية إعلامية فقط، بل ضرورة تنموية واقتصادية. فالثقة هي العملة الأهم في عالم الاستثمار، وأي خطاب يقوضها يضعف فرص التعافي ويؤخر مسار النمو.
وفي ظل التحديات التي تواجهها سوريا، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب عام يعزز مناخ الاستقرار ويقدم صورة واقعية ومتوازنة عن البلاد. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضاً على الشاشات؛ حيث يمكن لمنشور واحد أن يبدد جهوداً طويلة في بناء الثقة، كما يمكن لكلمة مسؤولة أن تفتح نافذة جديدة نحو الاستثمار والتنمية.
وفي نهاية المطاف، يبقى السوريون هم الطرف الأكثر تأثراً بنتائج هذه المعادلة. فعندما ينتصر خطاب المواطنة على خطاب الانقسام، لا يربح المجتمع تماسكه فقط، بل يربح أيضاً فرصة حقيقية لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النهوض واستعادة الأمل.