فخ العقارات في دمشق.. شبكات تزوير منظمة تسلب الملاك حقوقهم بـ “القانون”

تواجه سوق العقارات في العاصمة السورية دمشق موجة غير مسبوقة من عمليات الاحتيال والتزوير الممنهجة التي باتت تهدد الملكيات الخاصة وتضع آلاف المواطنين في مواجهة نزاعات قضائية معقدة وخسائر مالية جسيمة وسط ارتفاع جنوني في الأسعار وزيادة مطردة في الطلب على السكن

وتكشف التحقيقات التي أجراها “تلفزيون سوريا” عن تحول هذه العمليات من حالات فردية إلى ظاهرة تقودها شبكات احترافية تستغل الثغرات القانونية والظروف الاستثنائية التي عصفت بالبلاد لتمرير صفقات بيع وهمية تتم أحياناً دون علم المالك الأصلي.

قصص من واقع التزوير.. ضحايا في أروقة المحاكم

تعكس شهادات المتضررين تعقيداً هندسياً في طرق الاحتيال تبدأ غالباً بإجراءات قانونية توحي بالسلامة والمصداقية قبل أن تنكشف الحقيقة المرة في ردهات القضاء ويروي المواطن زاهر السعدي لتلفزيون سوريا تفاصيل تجربته القاسية حيث قام بتأجير منزله بموجب عقد رسمي موثق ليتفاجأ لاحقاً بأن المستأجرة قامت بتزوير العقد والبصمة ومن ثم باعت العقار لشخص ثالث دون علمه مما أدخله في دوامة قضائية استمرت سنوات وتطلبت إجراء خبرات فنية دقيقة على التواقيع لإثبات التزوير واستعادة حقه

ويؤكد السعدي أن هذه الجرائم لا تتم بشكل عشوائي بل تديرها شبكات تضم مزورين ومحامين يمتلكون خبرة واسعة في الالتفاف على القوانين وتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب الملاك الغائبين أو غير الحذرين.

جذور أزمة العقارات.. غياب الملاك وتدمير السجلات العقارية

يرى المحامي والناشط الحقوقي غياث دبور أن الاحتيال العقاري تحول إلى ظاهرة ممنهجة منذ عام 2011 نتيجة موجات النزوح واللجوء الكبرى التي تركت ملايين المنازل خالية مما وفر بيئة خصبة للمزورين للاستيلاء عليها وتفاقمت الأزمة مع تدمير السجلات العقارية في مناطق عديدة لاسيما الغوطة والاعتماد الكلي على الوثائق الورقية في ظل غياب الأرشفة الإلكترونية مما أجبر الكثيرين على خوض دعاوى “ترميم الملكية” المرهقة

ويوضح دبور أن الفساد المؤسساتي لعب دوراً محورياً في تسهيل هذه العمليات عبر تورط موظفين في تمرير معاملات مشبوهة أو التغاضي عن تدقيق الوثائق فضلاً عن وقوع عمليات بيع تمت تحت التهديد والضغط المباشر مستفيدة من حالة عدم الاستقرار الأمني.

أساليب الخداع وسوق محكومة بالعشوائية

تتعدد طرق الاحتيال في السوق السورية لتشمل بيع العقار الواحد لعدة أشخاص في أوقات متقاربة أو إخفاء وجود إشارات دعاوى قضائية على العقار المبيع إضافة إلى التوسع في تزوير الوكالات القانونية للملاك المتوفين أو المغتربين ويشير الخبراء إلى خطورة استخدام “العقود الجاهزة” التي تفتقر للضمانات القانونية الدقيقة مما يسهل ضياع الحقوق

ويؤكد الوسيط العقاري محمد علي إبراهيم لتلفزيون سوريا أن اضطراب السوق وغياب المعايير الواضحة لتحديد الأسعار يدفع المشترين للتسرع في إتمام الصفقات خوفاً من فوات الفرصة وهو ما يستغله المحتالون عبر تقديم عروض بأسعار غير منطقية تجذب الضحايا بسهولة رغم محاولات بعض المكاتب العقارية مؤخراً تنظيم العمل وربط المعاملات بجهات رسمية للتحقق من صحتها.

تحركات رسمية وضمانات وقائية للمواطنين

في محاولة للسيطرة على هذه الفوضى أصدرت وزارة العدل التعميم رقم 18 الذي يفرض إجراءات مشددة على البيوع العقارية تشمل ضرورة إجراء كشف ميداني والتحقق من الشاغلين الفعليين وسماع شهادات الجوار قبل تثبيت البيع ورغم أهمية هذه الخطوة إلا أن المختصين يشددون على أن الحل الجذري يكمن في الانتقال السريع نحو “الأتمتة الشاملة” ونظام التوثيق الإلكتروني للسجلات العقارية لمنع أي تلاعب مستقبلي

وينصح الخبراء المواطنين بضرورة استخراج قيد عقاري حديث والتحقق من صحة الوكالات عبر محامين مختصين وعدم الانجرار وراء الصفقات السريعة والمشبوهة لضمان حماية ممتلكاتهم من شبكات الاحتيال التي لا تزال تتربص بسوق دمشق العقاري.

 

اقرأ أيضاً:دمشق القديمة بين مطرقة التنقيب وسندان الأرشيف العثماني: أزمة ملكيات تثير الذعر

اقرأ أيضاً:أسعار العقارات في دمشق تتحدى المنطق: السوق مرتفعة رغم الركود

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.