الشبكة السورية لحقوق الإنسان: تغيّر السلطة في سوريا لا ينهي مسؤولية روسيا عن الانتهاكات

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بيانًا بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لـالتدخل العسكري الروسي في سوريا، أكدت فيه أن تغير السلطة في البلاد لا ينهي، من الناحية القانونية، مسؤولية روسيا عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى قواتها، ولا يسقط الالتزامات المترتبة عليها تجاه الضحايا، بما في ذلك جبر الضرر والانتصاف.

وقالت الشبكة في بيان أصدرته الأربعاء 30 أيلول، إن سقوط النظام السابق، الذي تدخلت روسيا عسكريًا لدعمه، لم ينهِ الآثار الإنسانية والقانونية لذلك التدخل، إذ ما تزال تداعياته حاضرة في حياة آلاف العائلات التي فقدت أفرادًا منها، إلى جانب المجتمعات التي تعرضت منازلها ومرافقها ومصادر رزقها للدمار أو الضرر.

11 عامًا على التدخل العسكري الروسي في سوريا

بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في 30 أيلول 2015، دعمًا لقوات النظام السابق، بعد سنوات من الدعم السياسي الذي قدمته موسكو للنظام في مجلس الأمن الدولي.

وأشارت الشبكة إلى أن روسيا استخدمت حق النقض “الفيتو” 18 مرة لمنع اعتماد مشاريع قرارات مرتبطة بسوريا، من بينها مشروع القرار S/2014/348، الذي كان يقضي بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية في أيار 2014.

وترى الشبكة أن المسؤولية عن آثار التدخل الروسي لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية أو بتغير السلطة السياسية في سوريا، معتبرة أن الحقوق القانونية للضحايا والمتضررين تبقى قائمة.

مسؤولية روسيا عن أفعال قواتها وجبر الضرر

أوضح البيان أن القواعد المستقرة في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي تلزم الدولة بجبر الضرر الناتج عن أفعالها غير المشروعة دوليًا، بما في ذلك الأفعال المنسوبة إلى قواتها المسلحة.

وبحسب الشبكة، فإن هذا الالتزام لا يسقط بسبب انتهاء العمليات العسكرية أو تغير الظروف السياسية في الدولة التي وقعت فيها الأفعال.

كما استندت الشبكة إلى المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 60/147، والتي تؤكد حق ضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني في الحصول على انتصاف فعال وجبر مناسب.

ويشمل جبر الضرر، وفق البيان، رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار.

وترى الشبكة أن أي ترتيبات مستقبلية بين سوريا وروسيا، بما فيها التعاون السياسي أو الاقتصادي أو العسكري أو المشاركة الروسية في إعادة الإعمار، ينبغي ألا تنتقص من حقوق الضحايا، وأن ترتبط باعتراف روسيا بمسؤوليتها، والتعاون مع آليات المساءلة، والمساهمة في جبر الأضرار.

التزامات روسيا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب

وتناول البيان أيضًا الالتزامات المترتبة على روسيا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، مشيرًا إلى أن روسيا وسوريا دولتان طرفان في الاتفاقية.

وقالت الشبكة إن الاتفاقية تفرض على الدول الأطراف التزامات تتعلق بالأشخاص الموجودين على أراضيها ممن يُشتبه في ارتكابهم جرائم التعذيب أو محاولة ارتكابها أو التواطؤ أو المشاركة فيها.

وبحسب البيان، تشمل هذه الالتزامات تقرير الولاية القضائية على الجرائم ذات الصلة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان وجود الشخص المعني وإجراء تحقيق أولي عندما تبرر الظروف ذلك، فضلًا عن إحالة القضية إلى السلطات المختصة بقصد الملاحقة في حال عدم تسليم الشخص المعني.

واستندت الشبكة كذلك إلى حكم محكمة العدل الدولية في قضية بلجيكا ضد السنغال عام 2012، والذي خلص إلى أن الالتزام بإحالة القضية إلى السلطات المختصة لا يتوقف على وجود طلب سابق لتسليم الشخص المعني.

قضية بشار الأسد في روسيا

وأشار البيان إلى وجود معلومات موثقة وادعاءات علنية بشأن أفعال تعذيب منسوبة إلى بشار الأسد، إضافة إلى ما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا من انتهاكات وتعذيب واسع النطاق في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السابق.

وقالت الشبكة إن وجود بشار الأسد في روسيا يثير، من وجهة نظرها، تساؤلات بشأن مدى التزام موسكو بالمواد 5 و6 و7 من اتفاقية مناهضة التعذيب.

وبحسب ما قالت الشبكة إنها تمكنت من التحقق منه عبر المصادر العلنية، لم تعلن السلطات الروسية عن إجراء تحقيق أولي في هذه الوقائع أو إحالة قضية الأسد إلى سلطاتها المختصة بهدف الملاحقة.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال، في مقابلة نشرتها وزارة الخارجية الروسية في 29 كانون الثاني الماضي، إن مسألة محاكمة الأسد لم تُطرح منذ فترة طويلة، مضيفًا أن روسيا سمحت له بالإقامة فيها لأسباب إنسانية بحتة.

ماذا خلصت إليه الشبكة السورية لحقوق الإنسان؟

حددت الشبكة في بيانها مجموعة من الاستنتاجات القانونية بشأن التدخل العسكري الروسي في سوريا، أبرزها أن أنماط الهجمات الموثقة والمنسوبة إلى القوات الروسية تشير، بحسب تقييمها، إلى وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وأن بعض الوقائع قد ترقى، بحسب ظروف كل حالة، إلى جرائم حرب.

كما أكدت أن روسيا، وفق ما تطرحه الشبكة من أساس قانوني، تظل ملزمة بجبر الضرر الناتج عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى قواتها، وأن انتهاء العمليات العسكرية أو تغير الظروف السياسية في سوريا لا يلغي حقوق الضحايا في الانتصاف والجبر.

وأضافت أن ذلك لا يحول دون مساءلة الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم الجنائية الفردية عن ارتكاب الجرائم الدولية.

مطالب للشبكة السورية لحقوق الإنسان من روسيا

دعت الشبكة الحكومة الروسية إلى اتخاذ عدد من الإجراءات، من بينها:

  • الاعتراف بالمسؤولية عن الأفعال غير المشروعة دوليًا المنسوبة إلى القوات الروسية خلال تدخلها العسكري في سوريا.
  • حفظ سجلات الطلعات الجوية وعمليات الاستهداف المرتبطة بالهجمات التي أوقعت ضحايا مدنيين، وإتاحتها للجهات التحقيقية والقضائية المختصة.
  • التعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا والجهات السورية المختصة بالمساءلة والعدالة الانتقالية.
  • إنشاء آليات فعالة لجبر الأضرار البشرية والمادية والمعنوية الناتجة عن الأفعال غير المشروعة المنسوبة إلى القوات الروسية.
  • المساهمة في إعادة تأهيل المرافق والخدمات الأساسية التي يثبت تضررها نتيجة تلك الأفعال.
  • تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية مناهضة التعذيب تجاه الأشخاص الموجودين على الأراضي الروسية ممن يُشتبه بارتكابهم الجرائم التي تشملها الاتفاقية.
  • الإعلان بشفافية عن أي إجراءات تحقيق أو إحالة اتخذتها السلطات الروسية المختصة.

مطالب للحكومة السورية والأمم المتحدة

ودعت الشبكة الحكومة السورية إلى ضمان عدم تأثير أي تسوية مع روسيا في حقوق الضحايا في الانتصاف والجبر، وإشراك ممثلي الضحايا في تصميم أي آليات مرتبطة بجبر الضرر.

كما طالبت بتوسيع نطاق عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بما يشمل الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأجنبية التي دعمت النظام السابق، ومنها القوات الروسية، إلى جانب مطالبة موسكو بالوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الضحايا السوريين.

أما الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، فدعتهم الشبكة إلى مواصلة جمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المنسوبة إلى مختلف الأطراف وحفظها وتحليلها، ودعم برامج جبر الضرر في سوريا، بما يضمن حقوق الضحايا وكشف الحقيقة وتعزيز ضمانات عدم التكرار.

كيف تغير الوجود العسكري الروسي في سوريا؟

تزامن طرح الشبكة لمسألة المسؤولية الروسية مع تغير كبير في الوجود العسكري الروسي في سوريا منذ نهاية عام 2024، عقب سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول من ذلك العام.

وكانت روسيا قد بنت خلال سنوات تدخلها العسكري شبكة واسعة من القواعد والنقاط العسكرية في سوريا، شملت مواقع استراتيجية، أبرزها قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، إضافة إلى مواقع وقواعد أخرى في عدد من المحافظات السورية.

وبحسب المعطيات الواردة في البيان، بلغ عدد القواعد والنقاط العسكرية الروسية في سوريا نحو 114 موقعًا بحلول منتصف عام 2024، مع انتشار في مناطق من حماة واللاذقية وطرطوس والحسكة والقنيطرة وحلب والرقة ودير الزور ودمشق وريفها.

وشمل الانتشار الروسي قواعد ومواقع جوية وبحرية ولوجستية، من بينها مطارات حماة والشعيرات وكويرس والقامشلي، إلى جانب قاعدة حميميم وقاعدة طرطوس.

لكن خريطة الانتشار الروسي بدأت بالتغير بصورة كبيرة مع التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، وما أعقب سقوط النظام السابق من إعادة ترتيب لموازين القوى.

وخلال عام 2025، تقلص عدد القواعد الروسية في سوريا إلى ثلاث، قبل أن يتراجع أكثر مع التطورات التي شهدها مطلع عام 2026، إذ انسحبت القوات الروسية من مطار القامشلي الدولي في محافظة الحسكة في كانون الثاني.

وبحلول شباط 2026، أصبح الوجود العسكري الروسي في سوريا، وفق المعطيات الواردة في النص، مقتصرًا على موقعين رئيسيين على الساحل السوري، هما قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية.

ورغم الإرث العسكري والسياسي للتدخل الروسي في سوريا، حافظت الحكومة السورية الجديدة على علاقات مع موسكو، وشهدت الفترة الماضية زيارات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري، من بينها زيارتان للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو.

ويأتي استمرار العلاقات السورية-الروسية في وقت تتواصل فيه النقاشات حول مستقبل الوجود الروسي في سوريا، إلى جانب ملفات المسؤولية القانونية وجبر الضرر والعدالة الانتقالية المرتبطة بسنوات الحرب والتدخلات الخارجية.

إقرأ أيضاً: روسيا تعزز حضورها في طرطوس.. ماذا تعني عودة السفن الروسية بعد اتفاق دمشق وموسكو؟

إقرأ أيضاً: تقرير حقوقي: 6993 مدنياً ضحية التدخل الروسي في سوريا خلال 10 سنوات

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.