القريتين بعد الحرب.. مدينة تعود إلى الركام وخدمات عاجزة عن ملاحقة احتياجات السكان
لم تعد مدينة القريتين في ريف حمص تبحث عن رفاهية التحسن الخدمي، بل عن استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة التي مزقتها سنوات القصف والتهجير. فبينما تحاول المدينة استعادة نبضها مع عودة آلاف السكان، ما تزال مؤسساتها الخدمية تعمل بأدوات محدودة أمام حجم دمار كبير، في مشهد يعكس فجوة واسعة بين حاجات الأهالي وإمكانات الحكومة السورية الانتقالية.
ورغم تسجيل تحسن نسبي في بعض القطاعات، ولا سيما تأهيل المدارس وتنظيف عدد من الشوارع وصيانة بعض المرافق، فإن الملفات الأكثر ارتباطاً بحياة السكان اليومية، من الصحة والطرقات والصرف الصحي إلى نقص الكوادر، ما تزال عالقة، وسط انتظار طويل لخطة إعادة إعمار تتجاوز الحلول الإسعافية المؤقتة.
خدمات تتعافى ببطء أمام واقع مثقل بالدمار
يؤكد مدير منطقة القريتين وليد الشاهين أن العمل خلال المرحلة الماضية ركز على إعادة تشغيل المؤسسات الأساسية وفق الإمكانات المتاحة، مع إعطاء الأولوية للتعليم والصحة.
وشهد قطاع التعليم إعادة تأهيل عدد من المدارس المتضررة، بينها مدرسة عبد الفتاح البراد، فيما اقتربت أعمال صيانة مدرسة فؤاد جرجس من الإنجاز. إلا أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التعليمية خلال سنوات الحرب.
أما القطاع الصحي، فيواجه معضلة أكثر تعقيداً؛ فمستشفى القريتين بات أكثر جاهزية من ناحية البناء والتجهيزات، لكنه يعاني نقصاً حاداً في الأطباء الاختصاصيين والكوادر الطبية، ما يدفع المرضى إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن العلاج، ويحوّل المرض إلى عبء إضافي على أسر أنهكتها سنوات الفقر والنزوح.
بلدية بإمكانات قديمة لمدينة تضاعف سكانها
تواجه خدمات النظافة والطرقات تحديات كبيرة، إذ إن المعدات التي كانت مخصصة لخدمة نحو أربعة آلاف نسمة قبل التحرير، أصبحت اليوم مطالبة بخدمة ما يقارب 35 ألف نسمة، في ظل نقص الآليات والعمال.
وتبقى الطرقات وشبكات الصرف الصحي من أكثر الملفات التي تؤرق الأهالي، بعدما تركت سنوات الحرب آثارها على البنية التحتية، في وقت لا تزال أعمال الصيانة تجري ضمن حدود الإمكانات المتاحة، دون انتقال واضح إلى مشاريع إعادة تأهيل شاملة.
ويقول سكان المدينة إن التحسن الموجود لا ينفي استمرار المعاناة، فالشوارع المتضررة، ونقص الخدمات الصحية، وضعف الإمكانات البلدية، كلها تؤكد أن القريتين ما تزال في مرحلة إسعاف ما بعد الحرب أكثر من مرحلة التعافي الحقيقي.
المجتمع المحلي يسد فجوات الدولة
في ظل محدودية التدخل الرسمي، لعب المجتمع المحلي والجمعيات الخيرية دوراً بارزاً في دعم الخدمات. فقد ساهمت مبادرات أهلية في ترميم مدارس، وتنفيذ حملات تنظيف وتشجير، كان أبرزها زراعة نحو ثلاثة آلاف شجرة حول سد القريتين.
كما دعمت جمعية البر الخيرية القطاع الصحي والاجتماعي، عبر إنشاء المستشفى سابقاً، وتقديم مساعدات للأسر المحتاجة، وتنفيذ مشاريع لدعم المرأة والأسر محدودة الدخل.
لكن هذه المبادرات، رغم أثرها الواضح، لا يمكن أن تتحول إلى بديل دائم عن دور المؤسسات الحكومية، إذ تبقى معالجة آثار الحرب بحاجة إلى مشاريع واسعة وتمويل مستقر، لا إلى جهود تطوعية تحاول سد فراغ الخدمات الأساسية.
إعادة الحياة تحتاج أكثر من الترميم
يرى الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين أن عودة المعامل والنشاط الزراعي والمشاريع التنموية تمثل شرطاً أساسياً لاستقرار المدينة، مشيراً إلى أن إعادة تشغيل المنشآت توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة وتقلل من الاعتماد على المساعدات.
إلا أن واقع القريتين يكشف أن التعافي الاقتصادي يصطدم بعوائق عديدة، أبرزها ضعف البنية التحتية، وغياب التمويل، وصعوبة تأهيل المنشآت، إضافة إلى الحاجة لمشاريع مياه وزراعة واستثمار للموارد الطبيعية التي تتمتع بها المنطقة.
ورغم تأكيد مديرية صناعة إدلب وجود متابعة للمنشآت الصناعية وتشجيع أصحابها على العودة، فإن أصحاب المشاريع ما زالوا ينتظرون بيئة أكثر استقراراً تساعدهم على الإنتاج بدل الاكتفاء بمحاولات البقاء.
مدينة تعود.. لكن الطريق ما يزال طويلاً
تكشف صورة القريتين اليوم عن مدينة تحاول النهوض من بين الركام، لكنها تصطدم بواقع خدمي هش وإمكانات محدودة. فإعادة افتتاح مدرسة أو تنظيف شارع لا تعني انتهاء آثار الحرب، كما أن عودة السكان لا تكتمل من دون خدمات مستقرة وفرص عمل ورعاية صحية حقيقية.
وبين جهود أهلية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإدارة محلية تعمل ضمن موارد محدودة، يبقى السؤال الأكبر مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مشروع تنموي طويل الأمد يعيد للمدينة قدرتها على الحياة.
فالقريتين لا تحتاج فقط إلى ترميم ما تهدم، بل إلى إعادة بناء الثقة بأن عودة السكان لن تكون مجرد عودة إلى أماكن مدمرة، وإنما إلى مدينة قادرة على احتضان مستقبلهم.
اقرأ ايضاً: احتجاجات في دير الزور للمطالبة بتحسين الخدمات وإنهاء التهميش