العمل لا يضمن الاستقرار في سوريا.. أسر تواجه صعوبة في تغطية تكاليف المعيشة
لم يعد تعدد مصادر الدخل كافياً لضمان الاستقرار المعيشي لدى كثير من الأسر السورية، في ظل اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف الاحتياجات الأساسية. فبين أصحاب المهن الصغيرة الذين تتذبذب عائداتهم تبعاً للموسم والطلب، والموظفين الذين لا تكفي رواتبهم لتغطية نفقات أسرهم، تتقلص القدرة على الادخار ومواجهة الطوارئ، فيما باتت تكاليف التعليم والصحة والنقل تؤثر مباشرة في خيارات العائلات ومستقبل أبنائها.
وتظهر تجربة أم سهير، التي تعمل مع زوجها على عربة لبيع الذرة والمعجنات في كورنيش طرطوس، جانباً من هذه الصعوبات. فإلى جانب عملها في مؤسسة المياه خلال ساعات الصباح، تساعد زوجها في إعداد المنتجات وبيعها، بينما يعمل هو مساءً في مخبز خاص. ورغم تعدد مصادر الدخل، لا تزال الأسرة تواجه صعوبة في تغطية احتياجاتها الشهرية.
وتقول أم سهير إن نقل أبنائها الثلاثة من مدرسة «عقبة بن نافع» إلى مدرسة المتفوقين، المعروفة سابقاً باسم «التجمع الغربي»، بسبب ارتفاع أعداد المتقدمين، فرض عليها أعباء إضافية تتعلق بالمواصلات، لم تكن ضمن حسابات الأسرة. وتضاف هذه النفقات إلى تكاليف الطعام والفواتير واحتياجات الأبناء الأربعة.
مشاريع صغيرة بدخل متقلب
تعتمد أسرة أم سهير على العربة التي تعمل عليها في الكورنيش مصدراً إضافياً للدخل، لكنها لا تحقق عائدات ثابتة على مدار العام. إذ تتطلب عملية البيع تكاليف يومية تشمل الغاز المستخدم لتشغيل صاج المعجنات، والبطارية اللازمة للإنارة، والمواد الغذائية مثل الجبنة والزعتر والقريشة والمحمّرة والكشك والخضار.
وتقول أم سهير إن العمل لا يضمن بيع جميع المنتجات التي تُحضّرها، ما يعني أن جزءاً من تكاليف التحضير قد يتحول إلى خسارة في الأيام التي ينخفض فيها الإقبال. وتقدّر احتياجات أسرتها الشهرية بنحو 6 ملايين ليرة سورية قديمة.
وخلال العطلات الصيفية، قد تصل مبيعات العربة إلى 600 ألف ليرة قديمة يومياً، لكن الأرباح الفعلية، وفق تقديراتها، تتراوح بين 100 و300 ألف ليرة، قبل أن يتراجع الطلب مع انحسار الموسم السياحي.
ومع توقف العربة عن العمل خلال الشتاء، تنتقل أم سهير إلى رعاية الأطفال الصغار والرضّع في منزلها، مقابل نحو 25 ألف ليرة قديمة عن ساعة رعاية الطفل الواحد.
ويجعل هذا التفاوت في الإيرادات الأسرة أمام دخل غير قابل للتوقع على مدار العام، خصوصاً أن تكاليف المشروع تستمر حتى في الأيام التي لا تحقق فيها المبيعات عائداً كافياً. كما أن أي نفقة طارئة، سواء كانت صحية أو تعليمية أو مرتبطة بالمواصلات، تفرض إعادة توزيع ميزانية محدودة لا تترك مجالاً واسعاً للاقتطاع من الاحتياجات الأساسية.
ولا تعكس هذه الحالة صعوبات أصحاب المشاريع الصغيرة وحدهم، بل تمتد إلى الموظفين الذين يحصلون على دخل شهري ثابت، لكنه لا يوفر بالضرورة مستوى من الاستقرار يتناسب مع تكاليف المعيشة.
تكاليف المعيشة تضغط على فرص التعليم
تقدم تجربة موظفة في مؤسسة المياه بطرطوس، تُعرف باسم مستعار هو سمر، مثالاً آخر على الضغوط التي تواجه الأسر ذات الدخل المحدود. وتتقاضى سمر نحو مليون و400 ألف ليرة سورية قديمة شهرياً، فيما يعمل زوجها في مخبز خاص خلال الفترة المسائية، في محاولة لتأمين دخل إضافي للأسرة.
وتضم الأسرة ثلاثة أبناء، لكن الأعباء المالية انعكست على مساراتهم التعليمية والمهنية. فالابنة الكبرى تدرس الحقوق في حمص، ما يضيف تكاليف مرتبطة بالدراسة خارج المدينة، بينما يعمل الابن الثاني في توصيل الطلبات لأحد المطاعم. أما الابنة الصغرى، التي حصلت على شهادة الثانوية العامة، فلم تتمكن من الالتحاق بالجامعة بسبب عدم قدرة الأسرة على تحمل نفقات الدراسة، وفق ما نقلته «الحل نت» عنها.
وتكشف هذه الحالة كيف يمكن للعجز المالي أن يؤثر في توزيع الفرص داخل الأسرة الواحدة، إذ يضطر بعض الأبناء إلى العمل، فيما تتعذر على آخرين مواصلة تعليمهم بسبب التكاليف. ولا تتوقف آثار ذلك عند الظروف الحالية، بل قد تمتد إلى فرصهم المستقبلية في سوق العمل.
وتتقاطع هذه الشهادات مع أرقام تتعلق بتكاليف المعيشة في سوريا. فقدّر «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة»، في تقرير نشرته صحيفة «قاسيون» في 27 أيلول الماضي، متوسط تكلفة معيشة أسرة سورية مؤلفة من خمسة أفراد بنحو 13.106 ملايين ليرة سورية شهرياً، مقابل حد أدنى يقدر بنحو 8.19 ملايين ليرة.
وبحسب التقرير، لا يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور، البالغ 1.256 مليون ليرة، نحو 9.5% من متوسط تكلفة المعيشة التي يحتسبها المؤشر. كما ارتفع متوسط التكاليف بنسبة تقارب 2.5% بين نهاية حزيران ونهاية أيلول.
ويعتمد المؤشر في حساباته تخصيص نحو 60% من إجمالي النفقات للغذاء، فيما تتوزع النسبة المتبقية على السكن والمواصلات والتعليم والصحة واللباس وغيرها من الاحتياجات. ويعني ذلك أن الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة لا تقتصر على تأمين الطعام، بل تشمل مختلف المتطلبات الضرورية لاستمرار الحياة اليومية.
النمو الاقتصادي لا ينعكس بالضرورة على الأسر
وتأتي هذه الضغوط في وقت تشير فيه التوقعات الاقتصادية إلى إمكانية تسجيل تحسن في بعض القطاعات. ففي بيان صدر في 4 آب 2026، توقع صندوق النقد الدولي أن يحقق الاقتصاد السوري نمواً بمعدلات من خانتين خلال العام، مدفوعاً بتحسن قطاعات الزراعة وإنتاج المحروقات والكهرباء والتجارة والخدمات.
لكن الصندوق أشار في الوقت نفسه إلى استمرار انتشار الفقر وعدم توازن التعافي بين المناطق، فضلاً عن عودة الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار المستوردات، ولا سيما الوقود والغذاء، إلى جانب زيادة تكاليف الخدمات والسكن.
وتشير هذه المعطيات إلى أن تحسن النشاط الاقتصادي لا ينعكس بالضرورة وبالسرعة نفسها على دخول الأسر. فقد تشهد بعض القطاعات زيادة في الإنتاج أو حركة تجارية أكبر، بينما تظل رواتب الموظفين محدودة، ويواجه أصحاب المشاريع الصغيرة ارتفاعاً في تكاليف التشغيل وتراجعاً في الطلب.
وبالنسبة إلى الأسر، لا يرتبط التعافي بمعدلات النمو وحدها، بل بمدى انعكاسها على القدرة الشرائية، وإمكانية تغطية نفقات التعليم والصحة والسكن، وتوفير هامش مالي لمواجهة الظروف الطارئة.
وتظهر شهادتا أم سهير وسمر جانبين من هذه الفجوة؛ فالأولى تعتمد على عمل موسمي تتغير عائداته بحسب حركة الزبائن، فيما تعتمد الثانية على راتب ثابت ودخل إضافي من عمل الزوج. لكن النتيجة في الحالتين واحدة: صعوبة توفير دخل يتناسب مع الالتزامات الشهرية.
استعادة الاستقرار تتطلب ربط التعافي بالدخل والخدمات
لا تعني هذه الحالات أن جميع الأسر السورية تواجه الظروف نفسها، لكنها تسلط الضوء على مشكلة تتجاوز البطالة إلى أوضاع أشخاص يعملون، سواء في وظائف ثابتة أو مشاريع خاصة، من دون أن يتمكنوا من تأمين مستوى معيشي مستقر.
وتنعكس هذه المشكلة في تراجع قدرة الأسر على الادخار، وصعوبة تحمل النفقات المفاجئة، واضطرار بعضها إلى تقليص الإنفاق على التعليم أو تأجيل خطط تتعلق بمستقبل الأبناء. كما أن تقلب دخل المهن الصغيرة يجعل التخطيط المالي أكثر صعوبة، حتى عندما تتعدد مصادر الإيرادات داخل الأسرة.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر تقييم التعافي الاقتصادي على تحسن الإنتاج أو عودة النشاط إلى الأسواق، بل يشمل أيضاً مدى قدرة الأجور على مواكبة تكاليف المعيشة، وإمكانية حصول الأسر على الخدمات الأساسية بكلفة مناسبة.
وتشمل المسارات المطروحة لمعالجة هذه الفجوة مراجعة الأجور بصورة دورية وفق تغير الأسعار، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، والحد من أعباء النقل والخدمات الأساسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة وتخفيف تكاليف تشغيلها، بما يساعد أصحابها على تحقيق دخل أكثر استقراراً.
كما تبرز أهمية حماية فرص التعليم، ولا سيما لدى الأسر التي باتت تضطر إلى المفاضلة بين استمرار الأبناء في الدراسة وتغطية النفقات اليومية.
وفي المحصلة، لا يكفي أن تتوافر فرص العمل إذا كانت عائداتها لا تتيح للعائلات تأمين احتياجاتها الأساسية. فاستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ترتبط بقدرة السوريين على العيش من دخلهم، ومواصلة تعليم أبنائهم، ومواجهة النفقات الطارئة من دون الوقوع في أزمات جديدة.
اقرأ أيضاً:سوريا والسعودية توقعان اتفاقيات بأكثر من 403 ملايين دولار.. ما أبرز المشاريع والقروض؟