سواتر الحرب تحرم مزارعي إدلب من أراضيهم.. آلاف الدولارات لإصلاح ما تركته سنوات الإهمال
تحتاج عودة الأراضي الزراعية في ريف إدلب إلى الإنتاج إلى ما هو أكثر من إزالة السواتر الترابية وردم الخنادق؛ فالمزارعون الذين ينتظرون استعادة أراضيهم يواجهون أعباء إضافية، في ظل بطء أعمال الاستصلاح، ونقص الآليات والوقود وقطع الإصلاح، واضطرار بعضهم إلى دفع تكاليف الإزالة من جيوبهم الخاصة. هكذا تتحول إعادة تأهيل القطاع الزراعي إلى اختبار لقدرة الجهات المعنية على الانتقال من الوعود والخطط إلى معالجة الأضرار المتراكمة على الأرض.
أرض زراعية معطلة وفاتورة يدفعها المزارع
في بلدة حيش بريف إدلب الجنوبي، يواجه المزارع زياد عادل الإسماعيل صعوبة في الوصول إلى أرضه بسبب ساتر ترابي يشغل جزءاً منها، ويعرقل حركة الآليات وتسوية التربة وتوزيع مياه الري. وتنعكس هذه العوائق على المساحة القابلة للزراعة، وترفع كلفة العمل في أرض يفترض أن تكون مصدراً للدخل والإنتاج.
وتتكرر المشكلة في كفرسجنة وسفوهن ومناطق أخرى، حيث لا تزال السواتر تشغل مساحات زراعية وتقطع الطرق بين أجزاء من الأراضي، فيما تتطلب إزالتها آليات ثقيلة وعملاً مكلفاً. وفي بعض المواقع، يتعين تأجيل التنفيذ لتجنب إتلاف المحاصيل، ما يكشف حجم التعقيدات التي كان يفترض التعامل معها ضمن خطة واضحة ومتكاملة لإعادة تأهيل الأراضي.
وفي سفوهن، دفع المزارع أنس الإسماعيل نحو ألف دولار لإزالة ساتر ترابي من أرضه، بلغ طوله نحو 60 إلى 70 متراً وارتفاعه بين خمسة وستة أمتار. واستدعت العملية الاستعانة بجرافة وأعمالاً يدوية، فيما تركت الإزالة حفرًا ومشكلات في معالم الحدود مع الأراضي المجاورة. مبلغ كان يمكن توجيهه إلى ترميم منزله، لكنه اضطر إلى إنفاقه كي يستعيد القدرة على زراعة أرضه.
نقص الآليات والتمويل يبطئان الاستصلاح
تقول الجهات المعنية إن أعمال إزالة السواتر تتواصل في مناطق عدة، وإن نحو 1200 مزارع استفادوا من أعمال الاستصلاح، مع إدخال نحو 10 آلاف و200 دونم في الاستثمار. كما شملت الأعمال تجريف السواتر وشق الطرق الحراجية بطول إجمالي يقارب 1200 كيلومتر، وتجريف نحو 13 مليون متر مكعب من الأتربة.
لكن هذه الأرقام لا تلغي الاختناقات التي تواجه التنفيذ. ففرق العمل تعاني نقص الكوادر، وصعوبات في تأمين الزيوت وإصلاح الآليات، فضلاً عن خفض خطة الآليات بنسبة 30 بالمئة. ويؤدي تعطل المعدات أو نقصها إلى إطالة مدة الإنجاز، فيما تبقى الأراضي المتضررة خارج الإنتاج أو أقل قدرة على استثماره.
وتبرز هنا مسؤولية التخطيط الحكومي: فإعادة تأهيل الريف الزراعي لا يمكن أن تعتمد على تحركات متفرقة وإمكانات محدودة، ولا أن تترك المزارع أمام خيار دفع مئات أو آلاف الدولارات لاستعادة أرضه. المطلوب خطة معلنة تحدد الأولويات والجدول الزمني والتمويل والآليات المتاحة، مع رقابة واضحة على التنفيذ والإنفاق، حتى لا تتحول أعمال الاستصلاح إلى مسار طويل يدفع ثمنه أصحاب الأراضي.
استصلاح متأخر في قطاع لا يحتمل الانتظار
تكتسب إزالة السواتر أهمية اقتصادية مباشرة، خصوصاً في مناطق تعتمد على المحاصيل البعلية والشتوية، مثل القمح والشعير والعدس، إلى جانب أشجار الزيتون والتين. وكل موسم يمر من دون استثمار الأرض يعني فرصة إنتاجية مهدورة ودخلاً مؤجلاً للمزارعين، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد المحلي إلى توسيع الإنتاج الزراعي وتقليل أعباء المعيشة.
وتتطلب معالجة الملف تأمين الآليات والوقود وقطع الإصلاح، وتسوية الأراضي بعد إزالة السواتر، وفحص المواقع للتأكد من خلوها من الألغام، مع دعم المزارعين الذين تحملوا تكاليف الاستصلاح على نفقتهم. فإزالة التراب وحدها لا تعيد الأرض إلى دورة الإنتاج؛ ما يعيدها فعلياً هو تنفيذ منظم وسريع، وموازنة كافية، ومحاسبة على أي تقصير يطيل تعطيلها.
اقرأ ايضاً: حملة “صدى الصمود”: ردم الخنادق وإزالة السواتر الترابية في ريف حلب الشمالي