تراجع الليرة السورية يضغط على الأسعار.. خبير يقترح مؤشرًا للإنذار المبكر بالتضخم

تتزايد الضغوط على الليرة السورية مع تراجع سعر صرفها أمام الدولار في السوق الموازية خلال تشرين الأول الحالي، وسط مخاوف من انعكاس تقلبات العملة على الأسعار، في وقت تواجه فيه السياسة النقدية تحديات مرتبطة بالعجز المالي وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي.

وبحسب أسعار الصرف بلغ سعر الدولار، الاثنين 26 تشرين الأول، نحو 142.75 ليرة للشراء و143.50 ليرة للمبيع، مقارنة بنحو 137.65 ليرة للشراء و138.40 ليرة للمبيع في بداية الشهر.

وتشير هذه الأرقام إلى ارتفاع سعر الدولار بنحو 3.7% خلال الفترة المذكورة، بما يعكس تراجعًا في قيمة الليرة، مع تركز جزء كبير من الحركة خلال الأيام الأخيرة من الشهر.

وكان سعر الصرف قد حافظ في مطلع تشرين الأول على هامش من الاستقرار النسبي، قبل أن يبدأ بالارتفاع تدريجيًا، مسجلًا مستويات تراوحت بين 141 و141.5 ليرة للدولار بحلول نهاية تعاملات الخميس السابق، وفق الرصد نفسه.

مؤشر مقترح لرصد الضغوط التضخمية

في ظل هذه التطورات، اقترح النائب الأول السابق لحاكم مصرف سوريا المركزي والخبير الاقتصادي والمصرفي، مخلص الناظر، تطوير نسخة محلية من «مؤشر زخم صدمات التضخم» (ISM-SY)، بهدف تحسين قدرة المصرف المركزي على رصد اتجاهات الأسعار والتنبؤ بالضغوط التضخمية قبل انعكاسها الكامل على المؤشرات العامة.

وأوضح الناظر، في منشور عبر صفحته على منصة «لينكد إن»، أن تراجع سعر صرف الليرة يضع السلطات النقدية أمام تحدٍ يتعلق بتحديد طبيعة الارتفاعات السعرية: هل هي موجة مؤقتة يمكن أن تتراجع، أم أنها بداية لضغوط تضخمية مستمرة تؤثر في توقعات المستهلكين والتجار والأسواق؟

وبحسب الناظر، فإن الإجابة عن هذا السؤال تساعد في تحديد طبيعة التدخل النقدي وتوقيته، إذ قد يؤدي التأخر في الاستجابة إلى اتساع الضغوط السعرية، في حين أن التدخل المبكر غير المستند إلى تشخيص دقيق قد لا يحقق النتائج المطلوبة.

العجز المالي والطاقة والثقة بالمصارف

يربط الناظر الضغوط التي تتعرض لها الليرة بعدة عوامل متزامنة، أبرزها تجاوز الإنفاق الحكومي الإيرادات بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، وارتفاع أسعار المحروقات في أيلول الماضي، إلى جانب تراجع ثقة المتعاملين بالقطاع المصرفي في ظل القيود المفروضة على السحب والتحويل.

ويرى أن الأدوات التحليلية التقليدية لا توفر بالضرورة قراءة سريعة بما يكفي لاتجاه التضخم، ولا سيما عندما تعتمد على متوسطات سنوية أو بيانات سعرية سابقة، من دون تحليل تفصيلي للتغيرات التي تشهدها مجموعات السلع والخدمات المختلفة.

ومن شأن هذه الفجوة، وفق طرحه، أن تجعل رصد الضغوط التضخمية متأخرًا عن تطورات السوق، الأمر الذي يحد من قدرة صانعي السياسة النقدية على اتخاذ قرارات تستند إلى مؤشرات مبكرة.

كيف يعمل مؤشر زخم صدمات التضخم؟

يستند المقترح إلى منهجية بحثية نشرها الباحثان كيفن لانسينغ وآدم شابيرو في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو في نيسان 2026، وتركز على مقارنة التغيرات الفعلية في أسعار السلع والخدمات بالتغيرات المتوقعة لها على أساس شهري.

ووفق المنهجية التي عرضها الناظر، يمكن تصنيف مجموعة استهلاكية ضمن مسار تضخمي صاعد عندما تتجاوز أسعارها المستوى المتوقع لثلاثة أشهر متتالية، فيما يشير تسجيل زيادات أدنى من المتوقع خلال الفترة نفسها إلى تراجع الزخم السعري. وتُستخدم الفروق بين المجموعات التي يظهر فيها زخم صاعد وتلك التي يتراجع فيها الزخم لتكوين قراءة عن اتجاه التضخم.

ويقترح الناظر تكييف النموذج ليتناسب مع طبيعة البيانات المتاحة في سوريا، من خلال تقليص الفترة التاريخية المستخدمة في التحليل إلى خمس سنوات بدلًا من عشر، والتركيز على ما بين 40 و60 فئة استهلاكية رئيسة بدلًا من 129 فئة.

كما يتضمن المقترح مراعاة العوامل الموسمية المحلية، مثل شهر رمضان والأعياد، إلى جانب تأثيرات تغير سعر الصرف وتحويلات السوريين من الخارج، بما يساعد على تفسير التحركات السعرية ضمن سياقها الاقتصادي.

فصل أثر سعر الصرف عن بقية العوامل

من التحديات التي يتناولها المقترح احتمال أن تعكس بعض مؤشرات التضخم أثر تقلبات سعر الصرف بصورة كبيرة، ما قد يصعّب التمييز بين موجة ارتفاع عامة في الأسعار وتغيرات ترتبط مباشرة بكلفة السلع المستوردة.

وللتعامل مع ذلك، يقترح الناظر إعداد نسخة موازية من المؤشر تستبعد السلع الأكثر تأثرًا بالدولار، ومقارنتها بالمؤشر الأساسي، إلى جانب تطوير مؤشرات فرعية لقطاعي الطاقة والسلع المستوردة.

ويمكن، وفق هذا التصور، أن تساعد المقارنة بين المؤشرات على تحديد مدى انتشار الضغوط السعرية بين القطاعات، وما إذا كانت الزيادات تتركز في مجموعات محددة أم تتسع لتشمل سلة الاستهلاك على نحو أوسع.

لكن تطبيق هذه المنهجية يتطلب توافر بيانات شهرية منتظمة وموثوقة عن الأسعار، إلى جانب تحديد آليات واضحة لمعالجة نقص البيانات وتغير أنماط الاستهلاك، وهي عوامل تؤثر في دقة النتائج ومدى إمكانية الاعتماد عليها في القرارات النقدية.

خارطة طريق تمتد لثلاث سنوات

يقترح الناظر تنفيذ المشروع على مدى 36 شهرًا، عبر مراحل تبدأ بتأسيس المؤشر وتجهيز البيانات اللازمة، ثم اختباره داخليًا وتقديم مذكرات دورية إلى لجنة السياسة النقدية، وصولًا إلى مرحلة نشر النتائج على نحو علني.

ويهدف هذا المسار، بحسب طرحه، إلى إتاحة أداة إضافية تساعد المصرف المركزي على متابعة اتجاهات الأسعار بصورة أكثر تفصيلًا، بدلًا من الاعتماد على المؤشرات العامة وحدها.

ولا يعني المقترح أن المؤشر أصبح معتمدًا لدى المصرف المركزي أو أن العمل على تطبيقه بدأ فعليًا، بل إنه تصور قدمه الناظر لتطوير أدوات تحليل التضخم في سوريا.

تراجع الليرة يعيد النقاش حول أسباب الضغوط

تأتي هذه الدعوة في سياق تراجع سابق لليرة خلال تشرين الأول. ففي 14 من الشهر نفسه، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 139 ليرة للشراء و140 ليرة للمبيع، وفق بيانات أوردتها «عنب بلدي».

وكانت وزارة المالية السورية قد أعلنت في 31 آب الماضي تسجيل عجز في الموازنة العامة خلال النصف الأول من عام 2026، مع تجاوز الإنفاق الحكومي الإيرادات بنحو مليار دولار. وتزامنت هذه التطورات مع ارتفاع تكاليف المحروقات واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، إلى جانب استمرار القيود على السحب والتحويل المصرفي.

وفي وقت سابق، ربط الأكاديمي والخبير الاقتصادي المصرفي محمود عبد الكريم تراجع الليرة بارتفاع تكاليف المحروقات وتأثيرها في توقعات الأسعار، بينما أشار الناظر إلى أن الضغوط لا ترتبط فقط بحجم العملة المتداولة، بل تشمل أيضًا مستوى الثقة بالليرة، وصعوبة الوصول إلى الأموال، وضعف تدفق الدولار إلى السوق.

وتعكس هذه العوامل، مجتمعة، تحديات تتجاوز حركة سعر الصرف اليومية، إذ يرتبط احتواء التضخم بقدرة السياسات المالية والنقدية على التعامل مع مصادر الضغوط، وتحسين توافر البيانات، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي. ومن هنا تبرز أهمية أدوات الإنذار المبكر بوصفها وسيلة مساعدة على التشخيص، لا بديلًا عن معالجة الأسباب الاقتصادية الأساسية.

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.