إعادة تدوير أنقاض الحرب في سوريا.. فرصة لخفض كلفة الإعمار
تشكّل الأنقاض المتراكمة في المدن والبلدات السورية أحد التحديات المرتبطة بمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، في ظل ارتفاع تكاليف البناء ومحدودية التمويل والحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية. لكن هذه المخلفات قد تتحول، في حال إدارتها بطريقة مدروسة، إلى مصدر للمواد الأولية وفرص العمل، بما يساعد على خفض جزء من تكاليف الإعمار.
وتقدّر الجهات السورية المعنية حجم الركام في البلاد بنحو 40 إلى 50 مليون متر مكعب، وفق تقديرات وردت في بيانات وتصريحات مختلفة. ويطرح هذا الحجم تساؤلات بشأن آليات إزالته، وإمكان استرداد المواد القابلة لإعادة الاستخدام، ومدى قدرة هذا القطاع على تحقيق عوائد اقتصادية في ظل الظروف الحالية.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع تقديرات البنك الدولي الصادرة في تشرين الأول 2025، التي وضعت تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا عند نحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
الاقتصاد الدائري.. من مخلفات الهدم إلى مواد البناء
يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن التعامل مع الأنقاض ينبغي ألا يقتصر على إزالتها ونقلها إلى المكبات، بل أن يشمل دراسة إمكان استعادة المواد القابلة للاستخدام وإدخالها مجدداً في الدورة الإنتاجية، ضمن ما يُعرف بالاقتصاد الدائري.
وبحسب تقديرات الجهات السورية المعنية التي أشار إليها السلوم، يبلغ حجم الأنقاض في سوريا نحو 50 مليون متر مكعب، فيما تستهدف الخطط المعلنة الوصول إلى إزالة الأنقاض بحلول منتصف عام 2028.
وتشير بيانات منشورة في نهاية أيلول 2026 إلى إزالة نحو ثلاثة ملايين متر مكعب خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.
من جهته، قال عضو جمعية العلوم الاقتصادية محمد بكر إن إزالة الأنقاض بالطرق التقليدية تنطوي على تكاليف تتعلق بأعمال الهدم والنقل وتأمين مواقع للتخلص من المخلفات، إضافة إلى الآثار البيئية الناجمة عن حركة الآليات الثقيلة وعوادم المركبات.
وأوضح بكر، في حديثه لعنب بلدي، أن تكلفة الإزالة تختلف باختلاف المناطق والمسافة بين مواقع الركام والأماكن المخصصة لترحيله، مشيراً إلى أن فرز المخلفات وإعادة تدويرها قد يتيحان تقليل هذه الأعباء والاستفادة من جزء من المواد الناتجة.
وأضاف أن أكثر من 90% من كتل الأبنية المدمرة يمكن الاستفادة منها وإعادة تدويرها، وفق تقديره، مع اختلاف إمكانات الاسترداد تبعاً لطبيعة المواد وحالتها.
ما المواد التي يمكن استردادها من الأنقاض؟
تختلف مكونات الركام بحسب نوع الأبنية المتضررة وطبيعة الدمار، وقد تشمل الخرسانة والطوب والحجر والحديد والمعادن الأخرى. ويمكن استعادة بعض هذه المواد بعد عمليات الفرز والمعالجة، شريطة التأكد من صلاحيتها للاستخدام المقصود.
ويوضح السلوم أن الخرسانة النظيفة يمكن تكسيرها وفرزها واختبارها لإنتاج حصويات تُستخدم في طبقات الطرق وأعمال الردم وبعض التطبيقات الإنشائية التي تسمح بها المواصفات الفنية. كما يمكن فصل المعادن وبيعها لمصانع الصهر وفق متطلبات الجودة وظروف السوق.
ويتيح ربط عمليات إزالة الأنقاض بمشروعات إعادة الإعمار استخدام المواد المستردة في تأهيل الطرق وتسوية الأراضي وتنفيذ بعض أعمال البنية التحتية، ما قد يقلل الحاجة إلى استخراج مواد أولية جديدة ويخفض جزءاً من تكاليف النقل والتوريد.
لكن استخدام المواد المعاد تدويرها لا يصلح لجميع أغراض البناء، بحسب السلوم، إذ يتطلب توظيفها في العناصر الإنشائية إجراء اختبارات فنية والتقيد بمواصفات تضمن السلامة والجودة.
ومن هنا، تبرز أهمية تحديد الاستخدام المناسب لكل نوع من المواد المستردة، بدلاً من التعامل مع الركام بوصفه كتلة واحدة قابلة للمعالجة بالطريقة نفسها.
ولا تقتصر الأنشطة المرتبطة بهذا القطاع على إنتاج مواد البناء، بل تشمل النقل وتشغيل الكسارات وصيانة الآليات والفرز الصناعي وتجارة المعادن وإجراء الفحوص المخبرية وتصنيع منتجات البناء.
وقد تتيح هذه الأنشطة فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للمهندسين والفنيين والعمال وسائقي الشاحنات ومزودي الخدمات، كما تفتح المجال أمام المنشآت المحلية للمشاركة في أعمال التعافي.
ومع ذلك، فإن تقدير العوائد الاقتصادية يتطلب النظر إلى حجم النشاط الفعلي، ومستوى الأتمتة، وكلفة الاستثمار والتشغيل، ونسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد السوري، وفق السلوم.
ويشير بكر إلى أن إعداد خطة متكاملة لإزالة الأنقاض وفرزها ومعالجتها يمكن أن يحول هذه العمليات إلى نشاط اقتصادي يستقطب استثمارات ويوفر فرص عمل، بدلاً من اقتصارها على أعمال الترحيل والتخلص من المخلفات.
الجدوى الاقتصادية وتحديات التنفيذ
لا تتوقف جدوى إعادة تدوير الأنقاض على توافر كميات كبيرة منها، بل ترتبط أيضاً بكلفة جمعها ونقلها ومعالجتها، ومدى وجود سوق قادرة على استيعاب المواد الناتجة.
ويواجه هذا القطاع تحديات تتعلق بارتفاع أسعار الوقود، وتكاليف تشغيل الآليات الثقيلة، وضعف التمويل، وتقلب أسعار مواد البناء، إلى جانب محدودية القدرة الشرائية. وقد تؤثر هذه العوامل في قدرة المواد المعاد تدويرها على منافسة المواد التقليدية.
وفي هذا السياق، يقترح السلوم إنشاء منظومة لامركزية لمعالجة الركام، من خلال إقامة محطات للفرز والتكسير بالقرب من مواقع الهدم، عندما تسمح الظروف الفنية والبيئية بذلك.
ومن شأن هذا التوجه تقليل مسافات النقل وتكاليفه، إلا أن اختيار مواقع المحطات يحتاج إلى مراعاة الكثافة السكانية، وتأثير الغبار والضوضاء، وحركة الشاحنات، ومدى توافر البنية التحتية اللازمة للتشغيل.
كذلك، قد تحتوي بعض مواقع الدمار على مواد ملوثة أو مخلفات خطرة، ما يستدعي إجراء مسوحات وفحوص مسبقة وفصل المواد غير الآمنة قبل بدء المعالجة وإعادة الاستخدام.
ويعني ذلك أن نجاح مشروعات التدوير لا يرتبط بالقدرة على تشغيل المعدات وحدها، بل يحتاج إلى منظومة فنية ورقابية تضمن سلامة العاملين والسكان، وتحدد طرق التعامل مع المخلفات المختلفة.
الشراكة مع القطاع الخاص وخيارات التمويل
يرى بكر أن القطاع الخاص يمكن أن يؤدي دوراً في تمويل عمليات إزالة الأنقاض وإعادة تدويرها، مقترحاً إشراك شركات التطوير العقاري في تنفيذ مشروعات متكاملة تشمل الهدم والترحيل والمعالجة واسترداد المواد القابلة للبيع أو الاستخدام.
ويقوم هذا النموذج، وفق مقترحه، على تجهيز مواقع العمل بآليات الهدم والتكسير والطحن والفرز، ثم فصل المعادن، بما فيها الحديد والألمنيوم والنحاس، وبيع الخردة إلى معامل الصهر، والاستفادة من المواد الناتجة في تصنيع منتجات البناء، مثل البلوك، متى استوفت متطلبات الإنتاج.
من جهته، يدعو السلوم إلى تطوير صيغ واضحة للشراكة بين الجهات العامة والمستثمرين المحليين، تقوم على توزيع المخاطر والعوائد، ويمكن أن تشمل تشغيل محطات المعالجة أو الاستثمار المشترك في المعدات والبنية التحتية، إلى جانب إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد المواد المعاد تدويرها إلى المشروعات العامة.
ويشدد على ضرورة اعتماد قواعد شفافة لتسعير خدمات المعالجة والمواد المستخرجة، وتحديد آليات الرقابة والمحاسبة، بما يحد من احتمالات احتكار مواقع المعالجة أو الموارد الناتجة عنها.
كما يمكن، بحسب السلوم، دعم الطلب على المواد المعاد تدويرها في المراحل الأولى من تطوير القطاع، من خلال استخدامها في المشروعات العامة التي تسمح مواصفاتها الفنية بذلك، ولا سيما الردميات وطبقات الطرق وبعض أعمال البنية التحتية.
ويتطلب هذا التوجه إخضاع المواد لفحوص مخبرية مستقلة، والتحقق من مطابقتها للمواصفات، ومراقبة جودتها بصورة دورية.
التشريعات وحقوق الملكية
إلى جانب التمويل والجدوى الفنية، تبرز المسائل القانونية والتنظيمية بوصفها أحد العوامل المؤثرة في إدارة الأنقاض، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى إعادة تنظيم عمراني أو تتداخل فيها حقوق الملكية.
ويؤكد السلوم أهمية مراجعة التشريعات المتعلقة بإزالة الأنقاض وإدارة العقارات والاستثمار، بما يحدد مسؤوليات الجهات العامة والمقاولين والمشغلين، ويحمي حقوق أصحاب الأملاك.
ويحذر من أن تسريع إزالة الركام يجب ألا يؤدي إلى المساس بحقوق المالكين أو تعقيد إجراءات إثبات الملكية، مشدداً على ضرورة وضع قواعد قانونية واضحة لاستخدام الأراضي وتحديد مواقع تجميع الأنقاض ومعالجتها، بما يقلل النزاعات ويعزز الشفافية.
كما يمكن للحوافز الضريبية والجمركية المخصصة للمعدات اللازمة لإعادة التدوير، وتوفير مواقع مناسبة للمعالجة والطاقة وفق آليات واضحة، أن تشجع الاستثمار في هذا المجال.
لكن السلوم يربط فاعلية هذه الحوافز بمؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل كميات الركام التي تتم معالجتها، ونسب المواد المستردة، ومستوى الالتزام بالمعايير البيئية، وحجم القيمة المضافة المحلية.
إزالة الأنقاض في سوريا.. ما المستهدف حتى نهاية 2027؟
فيما يتعلق بالخطط الحكومية، نقلت عنب بلدي عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن الوزارة رحّلت نحو 3.5 مليون متر مكعب من الأنقاض، من أصل نحو 40 مليون متر مكعب، فيما تستهدف إزالة أكثر من ثمانية ملايين متر مكعب حتى نهاية عام 2027.
وبحسب الوزارة، بلغت نسبة إزالة الأنقاض من الطرق الرئيسية والمرافق العامة نحو 43%، مقارنة بالأنقاض الموجودة داخل الأحياء والمناطق السكنية.
وتتراوح تكلفة إزالة الأنقاض وترحيلها، وفق الأسعار الحالية وطبيعة المنطقة، بين 2.5 وستة دولارات للمتر المكعب الواحد.
وأوضحت إدارة الإعلام والاتصال أنه لا يمكن تحديد التكلفة الإجمالية المتوقعة للمشروعات خلال الفترة المقبلة، نظراً إلى تعدد العوامل المؤثرة في التنفيذ، ومنها نوع الآليات الثقيلة ومدى توافرها محلياً أو الحاجة إلى نقلها من مناطق أخرى، والتغيرات في أسعار الوقود والمحروقات، والمسافة بين مواقع الركام والمكبات المخصصة للترحيل.
وتعكس هذه المعطيات حجم الأعباء المالية واللوجستية المرتبطة بعملية الإزالة، كما تبرز أهمية دراسة خيارات الفرز وإعادة التدوير إلى جانب الترحيل التقليدي، مع احتساب تكاليف المعالجة والنقل والعوائد المحتملة من بيع المواد المستردة.
في المحصلة، لا تمثل إعادة تدوير الأنقاض بديلاً عن التمويل الكبير الذي تتطلبه إعادة إعمار سوريا، لكنها قد توفر مساراً لتقليل بعض التكاليف والاستفادة من الموارد المحلية وتوليد فرص عمل.
وتبقى الجدوى الفعلية لهذا الخيار مرتبطة بوجود خطط تنفيذية قابلة للتطبيق، وأسواق للمواد المعاد تدويرها، ومعايير فنية وبيئية واضحة، وإطار قانوني يحمي الملكية وينظم الاستثمار. فالتحدي لا يقتصر على إزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، بل يشمل تحديد ما يمكن استعادته منها وتحويله إلى قيمة اقتصادية فعلية.