لماذا تحلق الأسعار في سوريا رغم شلل الأسواق؟.. 5 أسباب وراء دوامة الغلاء

يشهد السوق السوري مفارقة اقتصادية معقدة تتمثل في ارتفاع الأسعار بصورة يومية ومتواصلة، بالتزامن مع تراجع حاد في القدرة الشرائية وهبوط ملحوظ في الطلب الفعلي. هذه الظاهرة تعكس ضغوطاً متراكمة وعميقة على عمليات الإنتاج والاستيراد ومعيشة المواطنين، في ظل تداخل عوامل الطاقة وسعر الصرف وعجز المالية العامة، فضلاً عن سلوكيات التجار المرتبطة بحالة عدم اليقين.

جذور الأزمة: ركود تضخمي وخلل بنيوي

في قراءة لهذا المشهد، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في تصريحات نقلتها صحيفة “الوطن”، أن الاقتصاد السوري يمر بحالة استثنائية من “الركود التضخمي الجامح”.

وأكد أن ارتفاع الأسعار رغم ركود الأسواق وضعف الطلب يكشف عن خلل بنيوي عميق يضرب آليات السوق وتكاليف الإنتاج من أساسها.

5 أسباب رئيسية لتصاعد الغلاء

1. ارتفاع تكاليف الطاقة والمحروقات
تمثل الطاقة والمحروقات السبب الأول وراء موجة الغلاء؛ إذ تنعكس زيادتها بصورة مباشرة على كلفة تشغيل المصانع، والمولدات، والمداجن، ووسائل نقل البضائع.
وكانت وزارة الطاقة السورية قد أقرت في 13 أيلول/سبتمبر الماضي تعديلاً مؤقتاً لأسعار المشتقات النفطية، مبررة القرار بارتفاع كلفة تأمينها عالمياً، وتراجع المعروض، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، بالتزامن مع خضوع مصفاة بانياس لأعمال صيانة شاملة.

وبيّن الدكتور عياش أن هذه الزيادات في أسعار المازوت والبنزين تسري تلقائياً على أسعار السلع النهائية، لا سيما تلك التي تتطلب عمليات إنتاج كثيفة الاستهلاك للطاقة أو تتكبد مسافات نقل طويلة.

2. غلاء المواد الأولية المستوردة
يرتبط السبب الثاني بارتفاع أسعار المدخلات المستوردة، والتي تشمل المواد الخام، والأعلاف، والأسمدة، والمكونات الصناعية. وأشار عياش إلى أن صعود أسعار هذه المدخلات وتكاليف شحنها في ظل الاضطرابات الإقليمية يضاعف كلفة الإنتاج المحلي وينعكس سلباً على أسعار السلع في الأسواق.

3. تراجع الليرة السورية وفاتورة المستوردات
يأتي تراجع قيمة العملة المحلية سبباً ثالثاً رئيسياً، مدفوعاً بزيادة تكلفة تأمين الدولار اللازم لاستيراد السلع ومستلزمات الإنتاج. وتؤكد البيانات الواردة في تقرير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية حول أداء الاقتصاد السوري خلال النصف الأول من عام 2026، اتساع الاعتماد على الاستيراد؛ حيث بلغ حجم الواردات نحو 16.53 مليون طن، مسجلاً ارتفاعاً تجاوز إجمالي واردات عام 2025 بنسبة 35 بالمئة. وفي السياق ذاته، تراجعت الليرة في السوق الموازية مقارنة بمستويات أيلول، وسط تحذيرات متصاعدة من تداعيات ضعف الإنتاج واتساع فجوة التجارة الخارجية على سعر الصرف.

4. عجز الموازنة العامة والضغوط النقدية
حدد عياش السبب الرابع في تفاقم عجز الموازنة العامة والضغوط النقدية الناتجة عنه؛ إذ يؤدي تراجع الإيرادات واتساع فجوة الإنفاق إلى تغذية الضغوط التضخمية، خصوصاً إذا تم تمويل هذا العجز بطرق تفضي إلى ضخ سيولة نقدية جديدة من دون أن يقابلها نمو حقيقي وموازٍ في الإنتاج.
وكانت وزارة المالية السورية قد أعلنت أن العجز المالي بلغ نحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مسجلة إنفاقاً عاماً بقيمة 3.7 مليارات دولار مقابل إيرادات لم تتجاوز 2.7 مليار دولار.

5. توقعات التجار ومخاوف تكاليف الاستبدال
يتعلق السبب الخامس بسلوكيات التجار ومخاوفهم المرتبطة بتكاليف الاستبدال المستقبلية. فعادةً ما يؤدي ضعف الطلب إلى انخفاض الأسعار بحسب قانون العرض والطلب الكلاسيكي، إلا أن هذه القاعدة تتعطل في السياق السوري بفعل القفزات المستمرة في تكاليف الإنتاج والاستيراد.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن التاجر قد يعمد إلى رفع السعر لا طمعاً في هامش ربح إضافي، بل لأن تكلفة توفير السلعة مجدداً أصبحت أعلى، مفضلاً التمسك بسعر يغطي التكلفة على البيع بخسارة تؤدي في النهاية إلى توقف نشاطه.
إضافة إلى ذلك، تدفع حالة “عدم اليقين” بعض التجار إلى تسعير بضائعهم استناداً إلى توقعات متشائمة لسعر الصرف وتكاليف الاستيراد المستقبلية، متجاوزين الأسعار السائدة وقت البيع الفعلي، مما يخلق تضخماً مدفوعاً بالتحوط وتوقعات المخاطر رغم ضعف حركة الشراء.

نحو الخروج من الأزمة

تؤكد هذه العوامل المجتمعة أن استمرار الغلاء في سوريا لا يرتبط بزيادة الطلب أو الاستهلاك، بل بضغوط هيكلية متزامنة على جانبي الإنتاج والاستيراد، إلى جانب المخاطر النقدية وسلوكيات التسعير التحوطية.

ويبقى احتواء هذه الموجة التضخمية مرهوناً بمنظومة حلول شاملة تتضمن:

  • خفض تكاليف الطاقة والنقل.
  • تحسين توافر مدخلات الإنتاج.
  • تعزيز استقرار سعر الصرف.
  • ضبط المالية العامة وعجز الموازنة.
  • الحد من حالة عدم اليقين التي تدفع الأسواق قسراً إلى تسعير مخاطر المستقبل مقدماً.

 

اقرأ أيضاً:مستوى المعيشة في سوريا: ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية يفاقمان أعباء الأسر

اقرأ أيضاً:انخفاض أسعار الفروج في دمشق انعاش للطلب مخاوف من تذبذب الأسعار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.