وثيقة التبرع بالدم.. شرط جامعي يصطدم بتناقضات الوزارة ومعاناة الطلاب

تواجه أعداد كبيرة من طلاب الجامعات والمعاهد في سوريا عقبات إدارية وصحية معقدة أثناء محاولتهم استخراج أوراقهم الرسمية، إثر فرض “وثيقة التبرع بالدم أو الإعفاء منها” كشرط أساسي لإنجاز المعاملات.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن هذا الإجراء “غير إلزامي”، يؤكد الواقع الميداني داخل الجامعات فرض الموظفين لهذا الشرط بحجة تطبيق القرارات الوزارية، مما يدخل الطلاب في دوامة من المعاناة والبحث المضني عن متبرعين بدلاء.

رحلة شاقة بين الجامعات وبنوك الدم: معاناة الطلاب اليومية

تتجسد مأساة هذا القرار في قصص الطالبات والطلاب القادمين من المحافظات لإنجاز معاملاتهم في دمشق؛ إذ أمضت الطالبة نور، القادمة من درعا، ساعات طويلة أمام بنك الدم قرب دوار المواساة بدمشق بحثاً عن متبرع بديل.

فقد رُفض تبرعها الشخصي لكون وزنها أقل من 50 كيلوغراماً، بينما تعرضت صديقتها للإغماء واضطرت للتدخل الطبي المباشر عقب تبرعها بالدم، لتجد نور نفسها مجبرة على التنقل بين المراكز أملاً في الحصول على الوثيقة المطلوبة لاستكمال تسجيلها في السكن الجامعي واستخراج “بيان حياة جامعية”.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يخضع الراغبون في التبرع لفحوص طبية صارمة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين والوزن. وفي حال عدم تطابق الشروط الصحية، يُرد الطالب ويُطلب منه تأمين شخص آخر يتبرع باسمه، وهو أمر بالصعوبة بمكان نظراً لأن معظم المتواجدين في بنك الدم هم من الطلاب الذين يواجهون الإشكاليات ذاتها.

فجوة عميقة بين تصريحات الوزارة والواقع الميداني

تثير هذه الأزمة تناقضاً صارخاً بين الجانبين الرسمي والتنفيذي:

  • موقف وزارة التعليم العالي: أفاد مسؤول في الوزارة لموقع “تلفزيون سوريا” بأن تقديم وثيقة التبرع بالدم لا يُعد إجراءً إجبارياً للحصول على الوثائق الجامعية، مبيناً أن تطبيق هذه الخطوة جاء تلبيةً لطلب من مراكز التبرع بهدف دعم مخزون الدم وتوفير الوحدات الإسعافية للمرضى.

  • الواقع في الجامعات: على النقيض من ذلك، توضح الموظفات والموظفون في شؤون الطلاب (مثل كلية التربية بجامعة دمشق) عجزهم عن تجاوز هذا الشرط لارتباطه بتعليمات وقرارات صادرة عن وزير التعليم العالي، مؤكدين أنهم لا يستطيعون إيقاف العمل به إلا بصدور قرار رسمي مكتوب وواضح يحسم هذا التباين.

المعاملات المشمولة بالشرط وقائمة الأوراق المطلوبة

تُفرض وثيقة التبرع بالدم (أو وثيقة الإعفاء) لإنجاز حزمة واسعة من الخدمات والإجراءات الإدارية داخل الجامعات والمعاهد، وتشمل:

  • استخراج كشوف العلامات وبيانات الحياة الجامعية والوضع الدراسي.

  • وثائق التخرج، وشهادات التخرج، وكشوف علامات التخرج النهائية.

  • المعاملات المتعلقة بالسكن الجامعي، والمنح، وعدد من الإجراءات الإدارية الأخرى.

أبعاد إنسانية وصحية: ضغط إداري أم حاجة طبية؟

في المقابل، يبرز الجانب الصحي والإنساني متمثلاً في حاجة المرضى الملحة لوحدات الدم، ولا سيما مرضى التلاسيميا الذين يعتمدون على عمليات نقل الدم الدورية لاستمرار حياتهم.

وتشير حالات مثل المريضة “غفران” إلى أن الأعباء لا تتوقف عند الشح في المراكز، بل تمتد إلى مطالبة المرضى أنفسهم بتأمين متبرعين أحياناً للحصول على حصصهم العلاجية.

وعلى الرغم من أهمية دعم بنوك الدم، فإن ربط هذه الخدمة الإنسانية بالمعاملات الإدارية يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة، مستنداً إلى مبادئ منظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، التي تنص على أن يكون التبرع طوعياً وحراً بالكامل بعيداً عن أي ضغوط إدارية أو إكراه.

ويحذر مختصون من أن هذا الإلزام يمس بمبدأ “الموافقة الحرة والمستنيرة”، وقد يدفع بعض الطلاب المصابين بأمراض معينة إلى إخفاء حالتهم الصحية أثناء الفحص الطبي خشية رفض تبرعهم وتعطل معاملاتهم الدراسية.

سجل متقلب من القرارات والتعليمات

تعود إشكالية وثيقة التبرع بالدم إلى سلسلة من القرارات المتباينة خلال الفترة الأخيرة:

  • كانون الأول 2024: أقدمت جامعة دمشق على إلغاء العمل بالقرارات السابقة التي كانت تشترط تقديم وثيقَتَيْ “التبرع بالدم” و”لا حكم عليه” بغية تسهيل الشؤون الإدارية وتخفيف الأعباء عن الطلاب.

  • منتصف كانون الأول 2025: أصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي تعميماً جديداً يقضي بإلزام طلاب الجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد التقنية بتقديم وثيقة التبرع بالدم أو الإعفاء منها كشرط لإتمام المعاملات.

وبين غياب التعاريف الخطية الواضحة وتضارب الوعود والقرارات التنفيذية، يبقى آلاف الطلاب رهينة الانتظار والتنقل المضني بين أروقة الجامعات وبنوك الدم لاستخراج أبسط حقوقهم التعليمية.

اقرأ أيضاً:دعم أوروبي لقطاع التعليم يستهدف آلاف الطلاب الفلسطينيين في سورية

اقرأ أيضاً:تنقلات معلّمي اللاذقية تثير اعتراضات.. تساؤلات حول معايير نقل الكوادر التعليمية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.