الاحتطاب في سوريا يتجاوز رقابة الحراج.. 700 ضبط لا توقف نزيف الغابات
مع اقتراب الشتاء، تعود الغابات السورية إلى دفع ثمن أزمة التدفئة: أشجار تُقطع لتوفير الحطب، وأخرى تُستهدف للبيع، فيما تحاول الجهات المعنية إثبات حضورها بالأرقام والضبوط. لكن مصادرة مئات الأطنان من الحطب وتنظيم مئات المخالفات لا يجيبان عن السؤال الأهم: لماذا ما زال الوصول إلى وسيلة تدفئة عبئاً يدفع بعض الأسر إلى قطع الأشجار، ولماذا تبقى الغابات مكشوفة أمام الاعتداءات رغم كل الإجراءات المعلنة؟
بحسب بيانات مديرية الحراج في وزارة الزراعة، بلغت كمية الحطب المصادَر منذ بداية العام 225 ألفاً و960 كيلوغراماً، ونُظم نحو 700 ضبط أُحيلت إلى القضاء. أرقام توثق حجم المخالفات المكتشفة، لكنها لا تكشف وحدها مقدار ما قُطع ولم يُضبط، ولا المساحات التي فقدت أشجارها، ولا ما إذا كانت الإجراءات المتخذة قادرة على منع تكرار الاعتداءات.
حين تصبح التدفئة فاتورة بيئية
يربط مدير الحراج في وزارة الزراعة، مثنى الكاطع، حماية الغابات بتكامل الجهود الحكومية والمجتمعية، موضحاً أن المديرية تنفذ دوريات وتراقب المواقع الحراجية وطرق نقل الحطب، وتصادر المواد ووسائط النقل المرتبطة بالمخالفات، بالتنسيق مع الجهات المختصة.
غير أن اتساع المساحات الحراجية وصعوبة تضاريسها ونقص العناصر والآليات ووسائل الاتصال، وفق الكاطع، تفرض تحديات على أعمال المراقبة. وهنا تظهر مفارقة الإدارة العامة: الغابات واسعة، والموارد محدودة، والمخالفات مستمرة؛ أما الحلول فتدور حول زيادة الدوريات والتوعية وتطوير الرصد، من دون أن تعالج وحدها الظروف التي تجعل قطع الأشجار خياراً اضطرارياً لبعض الأسر، أو نشاطاً مربحاً للمتاجرين بالحطب.
فارتفاع أسعار المازوت وصعوبة تأمينه ليسا تفصيلاً خارجياً عن القضية، بل جزء من أسبابها. وحين تعجز الأسرة عن تأمين التدفئة، لا تكفي مطالبتها بحماية الأشجار ما لم تتوافر بدائل فعلية وميسورة. أما الاحتطاب التجاري غير المشروع، فيحتاج إلى رقابة قادرة على الوصول إلى المخالفين ومحاسبتهم، لا الاكتفاء بإحصاء ما صودر بعد وقوع الضرر.
الغابة لا تُستعاد ببيانات الضبط
يحذر الخبير الزراعي عبد الرحمن قرنفلة من أن إزالة الأشجار لا تعني فقدان الخشب فقط؛ فهي تقلص الموائل الطبيعية، وتسرّع تآكل التربة وانجرافها، وتضعف قدرة الغطاء النباتي على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتنظيم الظروف المناخية المحلية. وقد طالت الاعتداءات، وفق قرنفلة، أشجاراً على جوانب الطرق وفي الحدائق العامة والأرصفة، بما يتجاوز الضرر الحراجي إلى تشويه البيئة المحلية وخسارة منافع اقتصادية واجتماعية.
وتوضح مديرية الحراج أن استعادة المواقع المتضررة تبدأ بتقييم الأضرار وحماية ما تبقى، ثم إتاحة التجدد الطبيعي أو تنفيذ التحريج بأنواع محلية مناسبة، مع متابعة الغراس لسنوات. أي إن الشجرة التي تُقطع اليوم لا يعوضها غرس شتلة والتقاط صورة لها غداً؛ فاستعادة الوظائف البيئية تحتاج إلى وقت وحماية مستمرة.
المطلوب، إذاً، ليس حملة موسمية جديدة ضد الاحتطاب، بل سياسة تجمع بين إنفاذ القانون وتوفير وسائل تدفئة يمكن للأسر تحمل كلفتها، وتأمين الكوادر والتجهيزات اللازمة لحماية الغابات، ونشر بيانات توضح حجم الأضرار ونتائج الملاحقات القضائية. وإلا ستظل الأرقام الرسمية تسجل ما أمكن ضبطه، فيما تواصل الغابات خسارة أشجارها، ويُترك المواطن بين برد الشتاء وكلفة التدفئة، ثم يُطلب منه أن يتحمل وحده مسؤولية حماية ثروة لم توفر الجهات المعنية ما يكفي لصونها.
اقرأ ايضاً: حرائق الغابات تعود إلى سوريا.. إنذار مبكر أمام واقع هش