تراجع مخزون سدود القنيطرة في سوريا وسط الجفاف والتوغلات الإسرائيلية

تواجه محافظة القنيطرة أزمة مائية متفاقمة، في ظل تراجع كميات المياه المخزنة في السدود، وتوالي سنوات الجفاف، إلى جانب مخاوف من تأثير التوغلات الإسرائيلية والتدخلات في مجاري السيول والمياه الجوفية في الجولان المحتل على الموارد المائية في المنطقة الجنوبية.

وبحسب خبراء وأكاديميين في الهندسة المائية وإدارة الموارد الطبيعية، فإن تراجع الموارد المائية في القنيطرة لا يرتبط بالعوامل المناخية وحدها، بل يتصل أيضاً بصعوبات وصول الفرق الفنية السورية إلى السدود والمجاري المائية، واستمرار استنزاف المياه الجوفية، وإقامة منشآت مائية في الجولان المحتل.

وكان مدير الموارد المائية في القنيطرة، المهندس ربيع ناصر العفاش، قد كشف في تصريح لموقع «سوريا الآن» عن انخفاض إجمالي التخزين الأعظمي لسدود المحافظة من نحو 83 مليون متر مكعب إلى قرابة 18 مليون متر مكعب خلال الموسم الحالي، أي ما يعادل نحو 22% من السعة الإجمالية، عازياً التراجع إلى توالي سنوات الجفاف.

التوغلات الإسرائيلية تعرقل صيانة سدود القنيطرة ومراقبة موارد المياه

يرى الاستشاري في الهندسة المائية، الدكتور عرسان عرسان، أن الأطماع الإسرائيلية في مياه الجولان تعود إلى عقود سابقة، مشيراً إلى دراسات وتصريحات تناولت أهمية الموارد المائية في المنطقة قبل حرب حزيران/يونيو 1967.

وأوضح عرسان، في تصريح لـ«سوريا الآن»، أن القيود المفروضة على حركة الفرق الفنية السورية تمثل أحد التحديات الرئيسية أمام إدارة الموارد المائية في القنيطرة، إذ تحول الحواجز والدوريات والنقاط العسكرية الإسرائيلية دون وصول الموظفين إلى عدد من السدود والمجاري المائية الرئيسية لمراقبتها وإجراء أعمال الصيانة الدورية.

وأضاف أن وصول الموظفين من دون معدات القياس والمراقبة والأدوات الهندسية اللازمة لا يتيح تنفيذ أعمال الصيانة والتقييم بالشكل المطلوب، لافتاً إلى امتداد هذه الصعوبات إلى مناطق في ريف درعا، بما فيها محيط سد تسيل في وادي اليرموك.

ومنذ كانون الأول/ديسمبر 2024، أقامت القوات الإسرائيلية قواعد ونقاطاً عسكرية في جنوب غربي سوريا، تمتد من جبل الشيخ شمالاً إلى حوض اليرموك جنوباً، وتشمل مواقع في محيط حضر وبيت جن وجباتا الخشب والحميدية والقنيطرة المهدمة والعدنانية وكودنة.

وبحسب الخبراء، فإن وجود هذه القوات بالقرب من مواقع مائية استراتيجية يزيد من صعوبة متابعة التغيرات في تدفقات المياه، ويحد من قدرة الجهات المختصة على مراقبة الموارد المائية وصيانتها.

سدود القنيطرة الستة ومخزونها المائي

تضم محافظة القنيطرة ستة سدود رئيسية تختلف سعاتها التخزينية، ويأتي سد المنطرة في مقدمتها، فيما ترتبط سدود أخرى بشبكة الأودية والمجاري المائية التي تغذي المنطقة الجنوبية.

وتشمل أبرز السدود في المحافظة:

  • سد المنطرة: تزيد سعته التخزينية على 40 مليون متر مكعب.
  • سد كودنة: تبلغ سعته نحو 31 مليون متر مكعب.
  • سد الرقاد: تبلغ سعته نحو 9.2 ملايين متر مكعب.
  • سد بريقة: تبلغ سعته نحو مليون متر مكعب.
  • سد رويحينة: تبلغ سعته نحو مليون متر مكعب.
  • سد الهجة: تبلغ سعته نحو 850 ألف متر مكعب.

ويقع سد غدير البستان على الحدود الإدارية بين محافظتي القنيطرة ودرعا، فيما تضم مناطق ريف درعا الغربي سدود تسيل وعابدين وسحم الجولان، التي ترتبط مواردها المائية بالمياه الواردة من واديي العلان والرقاد في القنيطرة.

وتكتسب هذه السدود أهمية كبيرة في تخزين مياه الأمطار والسيول وتأمين الاحتياجات الزراعية، ما يجعل انخفاض مخزونها مؤشراً على الضغوط المتزايدة التي تواجه القطاع المائي في جنوب سوريا.

هل تسعى “إسرائيل” إلى السيطرة على منابع المياه في جنوب سوريا؟

من جهته، يرى الاستشاري في إدارة الموارد الطبيعية، الدكتور موفق الشيخ علي، أن المعطيات المتاحة تشير إلى تحركات إسرائيلية على امتداد خط فض الاشتباك لعام 1974، بما يرتبط، وفق تقديره، بالمواقع والمنابع المائية الممتدة من سفوح جبل الشيخ إلى وادي اليرموك.

وأوضح الشيخ علي، في تصريح لـ«سوريا الآن»، أنه يصعب تحديد حجم المياه التي فقدتها سوريا نتيجة التوغلات والتدخلات في مصادر المياه خلال الفترة الأخيرة من دون دراسات ميدانية متخصصة، لكنه أشار إلى أن المواقع التي تشهد تحركات إسرائيلية تتقاطع مع مسارات مائية مهمة في القنيطرة وريف درعا الغربي.

ووقعت سوريا و”إسرائيل” اتفاقية فض الاشتباك عام 1974، عقب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، بهدف فصل القوات وتحديد خطوط انتشارها. كما أُنشئت منطقة عازلة بين خطي «ألفا» و«برافو»، تخضع لمراقبة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف».

ويمثل نهر الأعوج أحد المجاري المائية المهمة في المنطقة، إذ ينبع من سفوح جبل الشيخ قرب بلدة بيت جن، ويمر بمزرعة بيت جن وخان الشيح وصولاً إلى الغوطة الغربية، ويبلغ طوله نحو 70 كيلومتراً.

وبحسب الشيخ علي، فإن تتبع أثر التحركات الإسرائيلية على الموارد المائية يتطلب تقييماً شاملاً للتغيرات التي طرأت على تدفقات المياه في الأودية والمنابع، ولا سيما في المناطق القريبة من خط فض الاشتباك.

سحب المياه الجوفية في الجولان المحتل وتأثيره على الموارد السورية

أكد أستاذ الهندسة المائية في جامعة دمشق، الدكتور يوسف مرعي، أن التوغلات الإسرائيلية في محيط السدود والمواقع المائية بالجولان تأتي، بحسب تقديره، ضمن سياق أوسع من السيطرة على الموارد المائية في المنطقة.

وأشار مرعي إلى إنشاء سلطات الاحتلال سدوداً ومجمعات مائية وحفر آبار جوفية داخل الجولان المحتل، تُستخدم في تخزين المياه وضخها للمشروعات الزراعية التابعة للمستوطنات.

وأوضح أن المياه الجوفية في المنطقة ترتبط بأحواض مائية مشتركة، وأن الضخ المكثف من أحد جوانب الحوض قد يؤثر في مستويات المياه وتوافرها في الجانب الآخر، تبعاً للخصائص الهيدرولوجية والجيولوجية لكل حوض.

وأضاف أن تحديد حجم التأثير الفعلي للضخ الإسرائيلي في الموارد المائية السورية يتطلب دراسات متخصصة وبيانات حديثة عن مستويات المياه الجوفية ومعدلات السحب والتغذية الطبيعية.

ولفت مرعي إلى أن المعطيات المتاحة، وفق تقديره، تشير إلى أهمية منابع المياه الممتدة من أعالي جبل الشيخ شمالاً إلى وادي اليرموك جنوباً، باعتبارها من المصادر التي تغذي السدود والأودية في القنيطرة وريف درعا الغربي.

السدود والمجمعات المائية الإسرائيلية في الجولان

يشير الدكتور عرسان عرسان إلى أن المنشآت المائية التي أقامتها “إسرائيل” في الجولان المحتل تشمل سدوداً ومجمعات لتجميع مياه الأمطار والسيول، من بينها منشآت في المنصورة وعين الحمرا وحيتل.

وبحسب المعلومات التي أوردها عرسان، تشمل أبرز هذه المنشآت:

  • مجمع المنصورة المائي: أُنشئ عام 2020 في قرية المنصورة المحتلة، وتبلغ سعته نحو مليوني متر مكعب.
  • مجمع القنيطرة المائي: أُنشئ عام 2006 على مساحة تقدر بنحو 200 دونم، بالقرب من خط وقف إطلاق النار غرب مدينة القنيطرة.
  • مجمع حيتل المائي: تبلغ سعته نحو خمسة ملايين متر مكعب.
  • سد عين الحمرا الترابي: يقع بين منطقتي الحميدية والحرية في القطاع الشمالي من القنيطرة.
  • سد حيتل: يقع مقابل صيدا الجولان في القطاع الجنوبي من المحافظة، وفق المعلومات الواردة.

ويرى عرسان أن هذه المنشآت قد تؤثر في كميات المياه المتجهة إلى الأراضي السورية، مشيراً إلى أن تقدير حجم التأثير يحتاج إلى مقارنة بيانات التدفق المائي قبل إنشاء المنشآت وبعده.

وأضاف أن هذه المنشآت، إلى جانب الجفاف والضغوط الأخرى، قد تكون من العوامل التي تفسر التراجع في الموارد المائية بالمنطقة، في حين تحتاج التقديرات المتعلقة بحجم المياه المحجوبة أو المحوّلة إلى قياسات ميدانية مستقلة.

تراجع روافد وادي الرقاد وتداعيات الأزمة المائية

يعد وادي الرقاد أحد روافد نهر اليرموك، وتبدأ مجاريه من تجمع المسيلات المائية بالقرب من جباتا الخشب وطرنجة، قبل أن يتجه جنوباً عبر مناطق في القنيطرة، منها كودنة وغدير البستان والمعلقة، وصولاً إلى نهر اليرموك.

وتتغذى الأودية والسيول التي تصب في السدود على الأمطار الموسمية، ما يجعلها شديدة التأثر بتراجع الهطولات المطرية وجفاف التربة.

وأوضح الدكتور عرسان أن جريان المياه في وادي الرقاد يبدأ عادة عند بلوغ الهطولات المطرية نحو 170 مليمتراً، في حين لم يبدأ الجريان خلال الموسم السابق، بحسب تقديره، إلا بعد وصول الهطولات إلى نحو 300 مليمتر، مرجعاً ذلك إلى جفاف الطبقات العليا من التربة وارتفاع حاجتها إلى المياه قبل تشكل الجريان السطحي.

وأشار إلى أن نقص المياه وصل إلى قطاعات تعتمد بصورة مباشرة على الموارد المحلية، بما فيها تربية الثروة الحيوانية، إذ اضطر بعض المربين إلى استخدام مياه الشرب لسقاية مواشيهم، الأمر الذي يزيد الضغط على الموارد المتاحة.

الجفاف وحفر الآبار العشوائية يزيدان أزمة المياه في جنوب سوريا

إلى جانب العوامل المرتبطة بالتوغلات والمنشآت المائية، يشكل الجفاف المتكرر والاستنزاف الجائر للمياه الجوفية تحدياً إضافياً أمام إدارة الموارد المائية في القنيطرة ودرعا.

وقال الدكتور يوسف مرعي إن المنطقة الجنوبية شهدت سنوات متتالية من الجفاف، بالتزامن مع حفر آبار مخالفة وغير مرخصة، والتوسع في الزراعات المروية، بما فيها الكرمة والزيتون والخضروات، ولا سيما في محافظة درعا.

وأوضح أن هذه العوامل أدت إلى زيادة الضغط على المياه الجوفية، وأثرت في توازن الموارد المائية التي تعتمد عليها الأودية والسدود.

وكان مدير الموارد المائية في القنيطرة، المهندس بسام الشمالي، قد كشف في أيلول/سبتمبر 2025 عن خروج سدود المحافظة من الخدمة في منتصف آب/أغسطس من العام نفسه، للمرة الأولى منذ عقود، بسبب انخفاض الهطولات المطرية خلال الموسم السابق.

وأشار الشمالي حينها إلى تراجع مخزون سد المنطرة إلى نحو 400 ألف متر مكعب، في مؤشر على حدة الأزمة المائية التي شهدتها المحافظة.

المياه في القنيطرة تتحول إلى ملف اقتصادي وسياسي

لا تقتصر تداعيات تراجع المياه في القنيطرة على الزراعة وتربية المواشي، بل تمتد إلى خطط التنمية وتأمين الاحتياجات المائية للمناطق المجاورة.

وفي هذا السياق، أشار الدكتور يوسف مرعي إلى أن السيطرة على الموارد المائية قد تتحول إلى عامل ضغط سياسي في العلاقات المستقبلية بين سوريا وإسرائيل، في ظل الأهمية الاستراتيجية للمياه في المنطقة الجنوبية.

من جهته، أوضح الدكتور عرسان عرسان أن خططاً سورية سابقة تضمنت نقل نحو خمسة ملايين متر مكعب من مياه سد المنطرة إلى مناطق في ريف دمشق الغربي، مثل عرطوز وزاكية والكسوة، بهدف تخفيف الضغط عن حوض دمشق.

لكن تراجع المخزون المائي وصعوبات الوصول إلى بعض المواقع والمنشآت يثيران تساؤلات بشأن إمكانية تنفيذ هذه الخطط في ظل الظروف الحالية.

وتؤكد المعطيات المتاحة أن أزمة المياه في القنيطرة نتاج مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل الجفاف وتراجع الهطولات المطرية، والاستنزاف الجائر للمياه الجوفية، والضغوط على مجاري السيول، وصعوبات إدارة المنشآت المائية. ويظل تحديد حصة كل عامل من التراجع المسجل بحاجة إلى دراسات هيدرولوجية مستقلة وبيانات ميدانية حديثة، بما يساعد على وضع خطط مستدامة لحماية الموارد المائية وتأمين احتياجات السكان والزراعة في جنوب سوريا.

إقرأ أيضاً: الأمن المائي السوري في مهب الممارسات الإسرائيلية والنفوذ الأردني

إقرأ أيضاً: المياه الجوفية في سوريا.. استنزاف يهدد الأمن المائي

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.