أسعار الخضار في سوريا ترتفع مع اقتراب الشتاء.. هل يدفع المستهلك كلفة الوقود والوسطاء؟
بدأت أسعار الخضروات في الأسواق السورية بالصعود مع انحسار مواسم الزراعة الصيفية واقتراب الشتاء، في وقت ترتفع فيه كلفة الإنتاج والنقل والتدفئة وتتراجع فيه الكميات المتاحة من بعض الأصناف. لكن الغلاء لا يبدو مرتبطاً بكلفة الزراعة وحدها؛ فبين المزارع والمستهلك سلسلة طويلة من النقل والفرز والعمولات والوساطة، تترك السعر النهائي أمام زيادات يصعب على المستهلك معرفة مصدرها.
وتزداد الضغوط مع ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع سعر الصرف، ما يرفع كلفة تشغيل الآليات والري والنقل والتدفئة، فيما تتقلص القدرة الشرائية للأسر التي تجد نفسها أمام خضروات أساسية ترتفع أسعارها بوتيرة أسرع من دخولها.
الشتاء يرفع الكلفة.. والسوق يبدأ الاستجابة
يقول قصي عبّو، صاحب محل خضار في سوق الهال بالراموسة في حلب، إن الأسعار بدأت بالارتفاع بعد زيادة أسعار المحروقات، قبل أن تسجل قفزة أوضح مع الأمطار وانتهاء مواسم عدد من المزروعات، ولا سيما الخيار والبندورة والبقدونس.
ويربط عبّو المرحلة المقبلة بدرجات الحرارة، موضحاً أن استمرار الطقس المعتدل يطيل موسم الزراعة المكشوفة، بينما يؤدي اشتداد البرد إلى انتقال الإنتاج نحو البيوت البلاستيكية، حيث ترتفع الحاجة إلى التدفئة وبالتالي تكاليف الإنتاج.
لكن المستهلكين لا يرون في ذلك تفسيراً كاملاً. ويقول رامز معراوي، وهو طالب في جامعة حلب، إن ارتفاع الأسعار بدأ مباشرة مع زيادة أسعار المحروقات، متسائلاً عن الزيادة التي طرأت على سعر البندورة من 75 إلى 120 ليرة جديدة، وما إذا كانت تتناسب فعلاً مع ارتفاع التكاليف.
وكان سعر المازوت قد ارتفع إلى 175 ليرة جديدة لليتر، قبل إعلان وزارة الطاقة اعتماد ثلاثة أنواع بأسعار مختلفة، بينها المازوت المدعوم بسعر 115 ليرة والمخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة.
من يدفع كلفة الوقود؟
لا يدخل الوقود في الزراعة فقط، بل يمر تأثيره عبر كامل رحلة المنتج. فالري يحتاج إلى الطاقة، والبيوت البلاستيكية تحتاج إلى التدفئة، والمحصول يحتاج إلى النقل من الحقل إلى سوق الهال، ثم إلى محال التجزئة.
ويشرح خالد عجّان، صاحب متجر للخضار والفواكه في حلب، أن سعر المنتج يبدأ من تكاليف رأس المال والعمل والأسمدة والري والتدفئة، قبل أن تضاف إليه كلفة النقل والفرز والتخزين وهوامش الربح في مراحل الجملة والمفرق.
لكن تعدد هذه الحلقات يجعل المستهلك أمام سعر نهائي لا يستطيع تفكيكه، بينما قد لا يحصل المزارع نفسه على حصة عادلة منه.
المزارع يشتكي والمستهلك يدفع
يقول المزارع خليل الحمد من ريف حلب الشرقي إن تجار سوق الهال يملكون نفوذاً واسعاً في تحديد أسعار الشراء، ما يترك المزارعين أحياناً أمام خيار بيع المحصول بسعر منخفض أو تحمل خسائر أكبر نتيجة الانتظار والتلف.
ويؤكد الخبير الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن ارتفاع الأسعار لا يمكن تفسيره بالكامل بزيادة تكاليف الدفيئات، مشيراً إلى أن الفارق بين سعر باب المزرعة وسعر الجملة والمفرق هو المؤشر الأهم لكشف مصدر الغلاء.
ويقول إن وجود مزارع يبيع بأقل من كلفته، مقابل مستهلك يشتري بسعر مرتفع، يشير إلى خلل داخل سلسلة التسويق، قد توسّعه العمولات والنقل والهدر وتعدد الوسطاء وضعف شفافية الأسعار.
دعم رسمي لا يحسم معادلة السوق
تقول مديرية زراعة حلب إن الدعم يشمل البيوت المحمية والتعويض عن بعض الأضرار وإعفاء أو تخفيض الرسوم على مستلزمات الإنتاج، فيما تخضع الأسعار للعرض والطلب وتراقبها لجان في أسواق الهال.
لكن هذه الإجراءات لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم بالنسبة إلى الأسر: لماذا يتسع الفارق بين ما يحصل عليه المزارع وما يدفعه المستهلك؟
فإذا كان ارتفاع الوقود يرفع الكلفة، فإن غياب الشفافية الكاملة في سلسلة التسويق يترك الباب مفتوحاً أمام تضخم الأسعار في الحلقات الوسيطة. ومع اقتراب الشتاء وتراجع الإنتاج المكشوف، تبدو الأسر أمام موسم غذائي أكثر كلفة، فيما يبقى المزارع والمستهلك طرفين في سوق لا يملكان أدوات كافية لفهم السعر أو التأثير فيه.
اقرأ ايضاً: تجاوزت 10 آلاف طن.. الخضار والفواكه السورية تتدفق إلى الخليج وسط خسائر للمزارعين