الشرع ولبنان.. هل يرفض التدخل العسكري أم يفاوض على ثمن الدور؟

يبدو موقف الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع من الانخراط العسكري في لبنان أكثر تعقيداً من مجرد رفض المشاركة في حرب جديدة. فدمشق، التي تواجه اقتصاداً مدمراً وحاجة كبيرة إلى التمويل والاستثمار وإعادة الإعمار، تجد نفسها أمام مقترح أميركي بدور محتمل في مواجهة “حزب الله”، بينما تضع في المقابل مجموعة من الشروط الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي قد تجعل أي انخراط محتمل جزءاً من تفاوض أوسع على موقع سوريا الإقليمي.

ويعيد هذا الطرح إلى الواجهة تجربة الوجود السوري في لبنان التي بدأت عام 1976، حين لم يكن دخول قوات حافظ الأسد إلى الساحة اللبنانية منفصلاً عن الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإقليمية للحرب الأهلية. غير أن السياق الحالي يختلف جذرياً؛ فالشرع لا يواجه اليوم هدف بناء نفوذ طويل الأمد في لبنان بقدر ما يواجه مهمة إعادة بناء دولة أنهكتها الحرب، ويحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية تتيح تدفق الاستثمارات والتمويل وتخفيف القيود الاقتصادية.

لبنان في الحسابات السورية.. تجربة قديمة وسياق مختلف

في 24 آذار/مارس 1976، ناقش الرئيس الأميركي جيرالد فورد مع وزير خارجيته هنري كيسنجر ومسؤولي الأمن القومي والدفاع احتمال تدخل سوريا في لبنان. ووفق وثيقة أميركية رفعت عنها السرية لاحقاً، رأى كيسنجر أن دخول دمشق سريعاً وتمكنها من “تنظيف” الوضع قد يكون، وفق حسابات المصالح الأميركية آنذاك، أفضل من ترك منظمة “التحرير الفلسطينية” تفرض سيطرتها على لبنان.

وفي الوقت نفسه، ناقشت واشنطن ضرورة الضغط على إسرائيل لمنعها من التدخل عسكرياً، مع انتظار ما ستفعله دمشق على الأرض.

ولم يكن الموقف الإسرائيلي منفصلاً عن هذه الحسابات. فقد جرت خلال الأشهر الأولى من عام 1976 اتصالات غير مباشرة بين تل أبيب ودمشق بوساطة أميركية، بحثت نطاق التحرك السوري في لبنان وحدود النفوذ المسموح به. وأبلغت إسرائيل عبر واشنطن خطوطاً جغرافية اعتبرت تجاوزها سبباً محتملاً لرد عسكري، في حين أبدت مرونة تجاه جوانب أخرى من التدخل السوري.

وبذلك، جاء دخول القوات السورية إلى لبنان ضمن شبكة من الاتصالات والضغوط والتفاهمات والحدود الحمراء، ولم يكن تحركاً مفاجئاً أو معزولاً عن البيئة الدولية المحيطة بالحرب الأهلية اللبنانية.

اليوم، لا تتطابق الظروف مع مرحلة حافظ الأسد، لكن الملف اللبناني يعود مجدداً إلى الحسابات السورية، مع اختلاف جوهري في الأولويات. فسوريا الانتقالية لا تبدو في موقع يسمح لها بفتح حرب جديدة من دون كلفة، لكنها في المقابل تحتاج إلى الاستثمار وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي والاندماج في النظام المالي الدولي.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يتحول لبنان إلى ورقة في تفاوض أوسع، لا سيما أن “حزب الله” يمثل أحد الملفات التي تريد واشنطن التعامل معها في المنطقة.

ماذا تريد دمشق من أي دور في لبنان؟

خلال حزيران/يونيو الفائت، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً أن تتولى سوريا التعامل مع “حزب الله” في لبنان بدلاً من إسرائيل. وفي المقابل، بدا الشرع متمسكاً برفض الانخراط العسكري المباشر، لكنه لا يظهر أن هذا الرفض نهائي أو منفصل عن شروط سياسية وأمنية واقتصادية يجري بحثها.

وتكتسب هذه الشروط أهميتها من حجم الاحتياجات السورية في مرحلة ما بعد الحرب. فقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، بعدما تسبب الصراع في تدمير قرابة ثلث مخزون رأس المال المادي في البلاد.

كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار عام 2024، فيما تعادل تكلفة إعادة الإعمار المقدرة قرابة عشرة أضعاف الناتج المحلي المتوقع لسوريا في عام 2024.

لذلك، لا تبدو إعادة الإعمار بالنسبة إلى الحكومة السورية مجرد ملف اقتصادي، بل ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على تثبيت مؤسساتها وتوفير الكهرباء والبنية التحتية والوظائف وتهيئة البيئة اللازمة للمصارف والمستثمرين.

وفي آذار/مارس 2026، أقر البنك الدولي منحة بقيمة 20 مليون دولار لدعم إصلاح الإدارة المالية العامة في سوريا، مشيراً إلى تراجع الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج المحلي، مقابل نحو 20% قبل الحرب.

وفي آب/أغسطس، أعلن البنك الدولي منحة أخرى بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي، وقال إن ضعف النظام المصرفي يمثل عائقاً أمام إعادة ربط سوريا بالقنوات المالية الدولية اللازمة للتجارة والاستثمار.

ضمن هذا الواقع، يمكن فهم أهمية أي دور إقليمي بالنسبة إلى دمشق. فإذا كانت واشنطن تريد من سوريا المساعدة في احتواء “حزب الله”، فإن موافقة دمشق على دور من هذا النوع يمكن أن تتحول إلى ورقة تفاوض للحصول على دعم اقتصادي وأمني وسياسي.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الشرع يسعى إلى استنساخ تجربة حافظ الأسد. فالفارق بين المرحلتين كبير؛ إذ كان الوجود السوري في لبنان خلال عهد الأسد الأب يتحول تدريجياً إلى نفوذ سياسي وأمني واقتصادي طويل الأمد، بينما تحتاج القيادة الحالية إلى تحويل أي دور خارجي محتمل إلى مكاسب تساعدها في إعادة بناء الدولة.

بين الانخراط العسكري والمكاسب المطلوبة

إذا مضت دمشق في دور لبناني، فإن قيمة الخطوة لن تُقاس بالنتائج العسكرية وحدها، وإنما بما يمكن أن تنتجه من مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية.

وتشمل الحسابات المطروحة دعم الجيش السوري، والحصول على ضمانات أمنية، وتخفيف القيود الاقتصادية، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز موقع سوريا في ترتيبات إقليمية جديدة.

وبذلك، لا يظهر لبنان بالنسبة إلى دمشق الحالية كساحة نفوذ تقليدية بقدر ما يمكن أن يمثل ورقة تفاوضية في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى إعادة الإعمار واستعادة اقتصادها ومؤسساتها.

وتختلف هذه الأولويات عن حسابات حافظ الأسد، الذي كان يسعى إلى تثبيت نفوذ سوري طويل الأمد في لبنان وتعزيز موقع دمشق الإقليمي. أما الشرع، فتتمثل حاجته الأساسية في إعادة بناء دولة خرجت من حرب طويلة، واستعادة النشاط الاقتصادي وجذب رأس المال وتثبيت نظام سياسي لا يزال في طور التشكل.

مكاسب خارجية مقابل أزمات داخلية

بعد نحو عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، حققت سوريا مكاسب دبلوماسية متزايدة، بالتوازي مع تنامي الاعتراف الإقليمي والدولي بها وتعهدات استثمارية من دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة وأوروبا.

لكن الصورة الداخلية أكثر تعقيداً. فالبلاد لا تزال تواجه توترات وأزمات أمنية وسياسية واقتصادية، وسط غياب حلول نهائية لملفات عدة، إضافة إلى انتقادات تتعلق بالعدالة السياسية والأمنية، ولا سيما بعد حوادث دموية طالت الدروز والعلويين والمسيحيين.

وتضع هذه التطورات الحكومة أمام تحديات أمنية وأيديولوجية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية عميقة أصبحت من أبرز مصادر الضغط الاجتماعي والسياسي.

وينعكس ذلك مباشرة على ملف إعادة الإعمار. فسوريا تسعى إلى إعادة تموضعها إقليمياً وترسيخ موقعها كمحور لوجستي واستراتيجي للتجارة والطاقة، في وقت تواجه فيه طرق الملاحة البحرية في منطقة الخليج تهديدات متزايدة.

لكن قدرة البلاد على تحويل هذه الفرص إلى نمو اقتصادي مستدام تبقى مرتبطة بقدرة مؤسساتها على العمل، وليس بمجرد استقبال الاستثمارات والمساعدات.

الاقتصاد يفرض نفسه على القرار السياسي

بعد أكثر من عقد من الحرب، لا يزال المواطن السوري يواجه ضغوطاً اقتصادية كبيرة، مع ارتفاع أسعار الكهرباء وتراجع قيمة الليرة السورية التي يقدّر سعرها بنحو 14 ألف ليرة مقابل الدولار، إضافة إلى تآكل القدرة الشرائية وصعوبة تأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية.

ويبلغ معدل البطالة الرسمي نحو 13%، إلا أن هذا الرقم لا يعكس، وفق تقديرات مسؤولين سوريين، حجم البطالة الفعلي. وكان وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار قال عام 2025 إن معدل البطالة الحقيقي يقترب من 60%.

وتحولت الأوضاع المعيشية إلى أحد أبرز المؤشرات التي يقيس السوريون من خلالها أداء الحكومة الجديدة. وحذر المبعوث الأممي إلى سوريا كلاوديو كوردوني، أمام مجلس الأمن، من أن تدهور الوضع الاقتصادي يغذي الاضطراب الاجتماعي، مؤكداً أن الاستقرار سيبقى هشاً ما لم يترافق مع حكم شامل وعدالة انتقالية موثوقة ودعم دولي.

كما كشفت أحداث أمنية عن حجم المخاطر التي يمكن أن تواجهها بيئة الاستثمار. ففي 7 تموز/يوليو الماضي، وبالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، والتي كانت أول زيارة لزعيم أوروبي إلى البلاد منذ سقوط الأسد، وقعت انفجارات بالقرب من المكان الذي كان موجوداً فيه في دمشق.

وتوضح هذه الحوادث أن جذب رأس المال لا يرتبط بالفرص الاقتصادية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة مستقرة وآمنة وقابلة للتنبؤ.

وتنافس سوريا في هذا المجال دولاً أخرى في المنطقة تحتاج بدورها إلى تمويل واسع لإعادة الإعمار، بينها لبنان واليمن وليبيا والصومال، إضافة إلى قطاع غزة.

لماذا يرفض الشرع مواجهة “حزب الله”؟

في ضوء هذه المعطيات، يصبح موقف الشرع من المقترح الأميركي أكثر قابلية للقراءة ضمن حسابات متعددة. فقد أعلن أنه لا يريد أن تصبح دمشق طرفاً في الحرب، وإنما تسعى إلى أن تكون جزءاً من الحل.

وجاء هذا الموقف بعد كشف ترامب أنه اقترح على إسرائيل السماح لسوريا بالتعامل مع “حزب الله” بدلاً من استمرار العمليات الإسرائيلية ضده. وقال ترامب، على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، إنه يعتقد أن سوريا “ستؤدي المهمة بصورة أفضل”، في إشارة إلى إمكانية توليها مواجهة الحزب في لبنان.

لكن تقارير صحفية تحدثت في المقابل عن مناقشات داخل السلطة في دمشق بشأن شروط محتملة لأي خطوة من هذا النوع.

وبحسب ما ورد في هذه التقارير، تشمل المطالب السورية انسحاب إسرائيل بالكامل من المناطق التي تسيطر عليها في جنوب سوريا وجنوب لبنان، إلى جانب تعهد إسرائيلي بعدم التدخل مستقبلاً في الشؤون الداخلية السورية.

كما تتضمن المطالب الحصول على مساعدات عسكرية نوعية للجيش السوري، وتمويل كامل لأي عملية محتملة، إلى جانب توفير غطاء جوي أميركي إذا تطلبت العملية تدخلاً برياً، وتزويد الجيش السوري بمنظومة للدفاع الجوي.

وعليه، فإن رفض الشرع المشاركة العسكرية لا يمكن قراءته فقط باعتباره رفضاً للحرب، بل يمكن أن يُفهم أيضاً في سياق محاولة تحديد شروط أي دور محتمل، وما الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق مقابله.

قناة اتصال بين دمشق و“حزب الله”

لا تنفصل هذه الحسابات عن اتصالات جرت بين دمشق و“حزب الله” في الفترة الأخيرة. فقد ذكرت “رويترز” أن مسؤولين في الحكومة السورية وممثلين عن الحزب عقدوا محادثات سرية في تركيا خلال أيلول/سبتمبر الفائت، بهدف خفض مستوى التوتر بين الطرفين.

وتأتي هذه الاتصالات في وقت تتهم فيه الحكومة السورية “حزب الله” بنقل أسلحة عبر الأراضي السورية، وسط مخاوف من أن تعود سوريا إلى لعب دور ممر لوجستي للجماعة.

وقبل نشر تقرير “رويترز”، أعلنت دمشق توقيف خلية قالت إنها تابعة لـ“حزب الله” وكانت تستعد لإطلاق صواريخ في جنوب سوريا. لكن الحزب نفى علاقته بالخلية، وقال إنه “لا وجود له إطلاقاً على الأراضي السورية”، وإنه لا يشارك في أي نشاط أمني أو عسكري داخل البلاد.

ونقل تقرير “رويترز” عن مصدر أمني لبناني أن “حزب الله” يريد “حماية خاصرته”، في إشارة إلى مخاوفه من احتمال تعرضه لهجوم سوري داخل لبنان.

ومع ذلك، لم يعلن الطرفان التوصل إلى اتفاق نهائي، وفق المصدر نفسه، كما لم يكن هناك إعلان رسمي مقرر بشأن الاجتماع.

قطر وتركيا.. جزء من المشهد الإقليمي

إلى جانب الحسابات الأمنية، يتقاطع الملف اللبناني مع إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية حول سوريا. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، برزت قطر وتركيا بصورة خاصة باعتبارهما من أبرز اللاعبين في إعادة تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية السورية.

وتعني حاجة دمشق إلى الاستثمارات وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي أن علاقاتها الإقليمية لا يمكن فصلها عن الخيارات التي تتخذها في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يمثل أي انخراط محتمل في لبنان محاولة لإعادة صياغة موقع سوريا في الإقليم، لكن ضمن حدود مختلفة عن مرحلة حافظ الأسد.

تجربة 1976.. كيف بدأ الوجود السوري في لبنان؟

تظل تجربة عام 1976 حاضرة في حسابات أي قرار سوري جديد تجاه لبنان. فقد بدأت الحرب الأهلية اللبنانية قبل عام من التدخل السوري، ومع اتساع المواجهات بين الميليشيات المسيحية والفصائل الفلسطينية والقوى السياسية اللبنانية، بدا في أوائل 1976 أن تحالف منظمة “التحرير الفلسطينية” و“الحركة الوطنية اللبنانية” يقترب من تحقيق تقدم عسكري حاسم.

وفي ظل تهديد بانهيار حكومته، طلب الرئيس اللبناني سليمان فرنجية مساعدة دمشق.

ودخل نحو 12 ألف جندي سوري إلى لبنان، قبل أن يرتفع العدد خلال أشهر إلى قرابة 30 ألفاً، ضمن “قوات الردع العربية” التي أقرتها جامعة الدول العربية لاحقاً.

ورغم تقديم الانتشار بوصفه مهمة عربية متعددة الأطراف لحفظ السلام، شكلت القوات السورية الغالبية الساحقة من هذه القوة. ومع انسحاب القوات العربية الأخرى بحلول عام 1979، تحول الوجود عملياً إلى انتشار سوري مباشر.

وتشير قراءة هذه المرحلة إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة لحافظ الأسد كان الحد من نفوذ ياسر عرفات والمنظمات الفلسطينية وتعزيز موقع سوريا الإقليمي.

ولم يكن الدعم الخليجي في بداية التدخل الدافع الأساسي لدخول القوات السورية إلى لبنان، لكنه تحول لاحقاً إلى مكسب سياسي ومالي. فقد أضفت قمة الرياض السداسية غطاءً عربياً على الوجود السوري عبر تحويله إلى “قوات الردع العربية”، كما تكفلت دول الخليج بتمويله.

وأتاح ذلك للأسد تقديم الدور السوري باعتباره مساهمة في حفظ الاستقرار، والحصول على مساعدات مالية كبيرة ومستدامة من دول الخليج خلال عقود الوصاية السورية في لبنان.

حسابات الأسد: فلسطين وإسرائيل والنفوذ السوري

لم يكن قرار حافظ الأسد مرتبطاً بالاعتبارات الأيديولوجية وحدها، بل استند أيضاً إلى حسابات استراتيجية.

فدمشق، رغم دعمها المعلن للقضية الفلسطينية، كانت تخشى انتصار منظمة “التحرير الفلسطينية” بصورة كاملة وما قد يترتب عليه من بروز قوة مستقلة وراديكالية على حدودها الغربية، خصوصاً مع الخطاب الراديكالي الذي تبناه عرفات في تلك المرحلة.

كما أراد الأسد إبقاء لبنان ضمن دائرة النفوذ السوري، والحفاظ على توازن عسكري مع إسرائيل، في وقت كانت دمشق تسعى إلى استعادة الجولان المحتل.

وبدلاً من السماح لطرف لبناني واحد بالسيطرة على المشهد، عمل الأسد على تثبيت سوريا باعتبارها الطرف القادر على إدارة التوازنات داخل لبنان.

وساعدت البيئة الإقليمية والدولية آنذاك على استمرار التدخل. فقد رحب عدد من القادة المسيحيين اللبنانيين بالقوات السورية، ومنحت جامعة الدول العربية الانتشار غطاءً سياسياً، بينما منحت الولايات المتحدة وإسرائيل الضوء الأخضر للتدخل السوري.

لكن المفارقة أن الانسحاب السوري من لبنان ساهم لاحقاً في صعود نفوذ إيراني عبر “حزب الله”، الذي تحول إلى أقوى جهة مسلحة من غير الدول في لبنان، وهي النتيجة التي كانت دمشق قد سعت في بداية تدخلها إلى منع مسارات مشابهة لها.

ما الذي يختلف اليوم؟

يحمل الشرع إرثاً ثقيلاً من التجربة السورية في لبنان، لكنه يتعامل معه في بيئة مختلفة كلياً. فدمشق اليوم لا تملك الموارد التي كانت متاحة للنظام السابق لبناء وجود عسكري وسياسي طويل الأمد، كما أن أولوياتها الداخلية أكثر إلحاحاً.

وفي المقابل، فإن احتمال مواجهة “حزب الله” يرتبط بالنسبة إلى دمشق بعدة أهداف في وقت واحد: الحد من نفوذ جماعة مدعومة من إيران، منع إعادة استخدام الأراضي السورية كمسار لوجستي لها، تحسين موقع سوريا الإقليمي، والحصول على عوائد سياسية واقتصادية يمكن أن تدعم مسار إعادة الإعمار.

ويعني ذلك أن أي تموضع سوري في لبنان، إذا حدث، لن يكون منفصلاً عن الحسابات الاقتصادية. فالدعم الخليجي والاستثمارات والتمويل الخارجي عناصر تحتاج إليها سوريا لإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، فيما يمثل لبنان في الوقت نفسه ساحة شديدة الحساسية تحمل ذاكرة طويلة من التدخل السوري.

لذلك، لا يبدو رفض الشرع للانخراط العسكري في لبنان موقفاً بسيطاً يمكن اختزاله في قبول الحرب أو رفضها. فالقرار المحتمل يتقاطع مع الأمن السوري، والعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل “حزب الله”، وموقع دمشق في الإقليم، وحاجتها إلى الدعم الخارجي، فضلاً عن تجربة تاريخية انتهت بوجود سوري دام قرابة ثلاثة عقود.

وفي حال انتقلت دمشق من الرفض إلى المشاركة، فإن السؤال الأساسي لن يكون فقط عن شكل التدخل أو أهدافه العسكرية، بل عن الثمن السياسي والاقتصادي والأمني الذي ستطلبه سوريا مقابله، وما إذا كانت قادرة على تحويل أي دور إقليمي إلى أداة لإعادة بناء الدولة، بدلاً من أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى مصدر لاستنزافها.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.