حقول دير الزور النفطية تعود تدريجياً إلى الإنتاج بعد سنوات الحرب
تدخل حقول النفط في دير الزور مرحلة جديدة مع استئناف العمل في عدد من الآبار والمنشآت، وبدء عمليات التأهيل والإنتاج ونقل الخام إلى المصافي السورية، بعد سنوات شهد فيها القطاع النفطي تراجعاً واضطراباً نتيجة الحرب وتبدل السيطرة على مناطق الإنتاج.
وتأتي عودة الحقول إلى العمل في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء قطاع الطاقة وزيادة قدرته على تأمين احتياجات السوق المحلية، في حين تبرز دير الزور باعتبارها إحدى المناطق التي يرتبط فيها مستقبل الإنتاج النفطي بملفات اقتصادية وخدمية أوسع.
سكان دير الزور يترقبون أثر عودة النفط
بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا ترتبط عودة الآبار إلى الإنتاج بحجم النفط المستخرج فقط، وإنما بما يمكن أن يترتب عليها من فرص عمل وتحسن في الخدمات وتنشيط للاقتصاد المحلي.
ويقول أحمد المحمد، وهو مدني من ريف دير الزور، إن سكان المحافظة عاشوا لسنوات بالقرب من حقول تمثل جزءاً مهماً من الثروة النفطية السورية، في وقت واجهت فيه المنطقة تراجعاً في الخدمات وفرص العمل.
ويضيف المحمد أن أبناء دير الزور يريدون رؤية انعكاس هذه الثروة على حياتهم اليومية، مشيراً إلى وجود مهندسين وعمال وفنيين من أبناء المنطقة سبق لهم العمل في القطاع النفطي، إلى جانب أعداد كبيرة من الشباب الباحثين عن فرص عمل.
ويرى أن إعادة تشغيل الحقول يمكن أن توفر مساحة أكبر لمشاركة الكوادر المحلية في أعمال الإنتاج والتأهيل، معتبراً أن نجاح هذه المرحلة لا يقاس فقط بعدد البراميل المنتجة، بل أيضاً بقدرتها على خلق وظائف وتحريك قطاعات مرتبطة بالنفط.
ويقول إن عمليات تشغيل الحقول تحتاج إلى عمال وفنيين وسائقين وشركات صيانة ومقاولين ومقدمي خدمات، ما قد يوسع أثر النشاط النفطي خارج المنشآت نفسها.
ويشير المحمد إلى أن المحافظة عاشت لسنوات مفارقة وجود الثروة النفطية إلى جانب تراجع مستوى المعيشة والخدمات، مضيفاً أن السكان يريدون أن يلمسوا نتائج الإنتاج في الكهرباء والمياه والطرق وفرص العمل.
ويؤكد أن النفط يبقى ثروة وطنية يفترض أن تخدم مختلف مناطق سوريا، لكنه يرى في الوقت نفسه أن المناطق المنتجة تحتاج إلى أن تنال نصيباً من التنمية والاستثمار المرتبطين بهذه الثروة.
إنتاج النفط يعود إلى الواجهة
اقتصادياً، يرى المهندس والخبير الاقتصادي حسين العلي أن استعادة حقول دير الزور لنشاطها تمثل فرصة يمكن أن تدعم الاقتصاد السوري، شرط أن ترافق زيادة الإنتاج إدارة طويلة الأمد واستثمارات قادرة على الحفاظ على استمراريته.
ويقول العلي إن النفط يمكن أن يوفر مورداً للدولة ويسهم في تأمين جزء من احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، فضلاً عن تحريك قطاعات ترتبط بالطاقة والصناعة والنقل.
لكنه يحذر من التعامل مع النفط باعتباره حلاً منفرداً للأزمة الاقتصادية، موضحاً أن الاستفادة من الإنتاج تتطلب إدارة فعالة واستثماراً ورقابة على مراحل الاستخراج والنقل والتسويق.
وبحسب ما أعلنته وزارة الطاقة، بلغ إنتاج النفط الخام خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 14.8 مليون برميل، إلى جانب أكثر من 1.4 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الخام. كما أعلنت الوزارة إعادة تشغيل 152 بئراً وإدخال 10 آبار جديدة إلى الإنتاج خلال الفترة نفسها.
ويرى العلي أن أهمية هذه المؤشرات لا تقتصر على كميات النفط والغاز المستخرجة، بل تمتد إلى قدرة القطاع على بناء نشاط اقتصادي متكامل حول عمليات الإنتاج.
فإعادة تشغيل الحقول، وفق تقديره، تخلق فرص عمل مباشرة داخل المنشآت، وأخرى غير مباشرة في النقل والصيانة والمقاولات والتوريد والخدمات، وهو ما يمكن أن يساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي في دير الزور.
البنية التحتية تحدد استدامة الإنتاج
ولا تقتصر عملية استعادة الإنتاج على إعادة تشغيل الآبار، إذ يرى العلي أن تأهيل البنية التحتية يجب أن يسير بالتوازي مع زيادة الكميات المنتجة، خصوصاً أن سنوات الحرب والتشغيل غير المنتظم تركت آثاراً على عدد من المنشآت.
ويقول إن الحفاظ على الإنتاج يتطلب صيانة مستمرة للآبار وخطوط النقل ومحطات المعالجة، إلى جانب إدخال التكنولوجيا والاستفادة من الخبرات الفنية، بحيث لا تتحول الزيادة الحالية في الإنتاج إلى نشاط مؤقت.
كما يشدد على أهمية وجود آليات واضحة لقياس الإنتاج ونقله وتسويقه، مع تعزيز الشفافية في إدارة العائدات النفطية، باعتبارها عاملاً أساسياً في ضمان استفادة الاقتصاد من المورد.
وبحسب العلي، يمكن أن تنعكس إعادة تشغيل حقول دير الزور على المنطقة بصورة أوسع إذا اقترنت بمشاريع في الطرق والكهرباء والمياه والتدريب المهني وتوفير فرص العمل.
خطة لإعادة التأهيل ورفع الإنتاج
على المستوى الفني، يقول مسؤول في قطاع الطاقة بدير الزور، طلب عدم ذكر اسمه، إن العمل يتركز حالياً على تقييم أوضاع الآبار والمنشآت وإجراء أعمال التأهيل اللازمة تمهيداً لزيادة الإنتاج بصورة تدريجية.
وأوضح المسؤول لموقع “963+” أن الحالة الفنية تختلف من حقل إلى آخر ومن بئر إلى أخرى، ولذلك يجري تحديد الاحتياجات وفق تقييمات ميدانية، تشمل أعمال الصيانة أو إعادة التأهيل بحسب وضع كل منشأة.
وأضاف أن الهدف لا يقتصر على تشغيل الآبار مجدداً، وإنما الوصول إلى منظومة إنتاج مستقرة يمكن الحفاظ عليها على المدى الطويل، مع إعطاء الأولوية للصيانة والسلامة وتأهيل المحطات وخطوط النقل.
وفي هذا السياق، يشير المسؤول إلى أن وصول النفط من حقلي العمر والتنك إلى بانياس في كانون الثاني 2026 شكل خطوة في إعادة ربط إنتاج دير الزور بمنظومة الطاقة الوطنية.
ولا تقتصر أعمال التأهيل، بحسب المسؤول، على إنتاج النفط الخام، إذ تشمل أيضاً قطاع الغاز والمنشآت المرتبطة به، نظراً لدور الغاز في دعم قطاعي الكهرباء والصناعة.
عقود ومذكرات تفاهم لتطوير القطاع
ويشير المسؤول إلى أن الكوادر المحلية تمثل جزءاً أساسياً من عمليات إعادة تشغيل الحقول، لافتاً إلى وجود مهندسين وفنيين وعمال يمتلكون خبرات تراكمية في قطاع النفط ويمكن الاستفادة منها خلال مراحل التأهيل والإنتاج.
كما أعلنت وزارة الطاقة خلال النصف الأول من عام 2026 توقيع 7 مذكرات تفاهم و3 عقود مرتبطة بتطوير قطاع البترول، بالتوازي مع أعمال حفر وإصلاح وإعادة تشغيل للآبار والمنشآت.
وبحسب المسؤول، تتركز المرحلة المقبلة على رفع كفاءة الإنتاج وتحسين البنية التحتية، إلى جانب تطبيق إجراءات السلامة وتعزيز الرقابة على العمليات.
ويقول إن التعامل مع النفط بوصفه ثروة وطنية يتطلب الحفاظ على الحقول والمنشآت واستثمارها وفق الإمكانات الفنية والاستثمارية المتاحة، مع العمل على رفع الإنتاج بصورة تدريجية ومستقرة.
ما بعد عودة الآبار
تضع عودة الإنتاج في دير الزور القطاع النفطي أمام مجموعة من التحديات، تبدأ من إعادة تأهيل المنشآت ولا تنتهي عند ضمان استدامة الإنتاج وإدارة العائدات.
وفي المقابل، ينتظر سكان المنطقة نتائج ملموسة لهذه العودة، سواء عبر فرص العمل أو تحسن الخدمات أو تنشيط القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالنفط.
وبالنسبة إلى العاملين في القطاع، تبرز الحاجة إلى منشآت أكثر أماناً ومعدات حديثة واستقرار في العمل، بينما يركز الاقتصاديون على ضرورة تحويل الإنتاج إلى مورد يدعم قطاعات أخرى ولا يبقى معزولاً عن الاقتصاد المحلي.
ومع استعادة عدد من الآبار والمنشآت نشاطها تدريجياً، يصبح التحدي الأساسي هو الحفاظ على الإنتاج وتطوير البنية التحتية وربط عائدات النفط بالاستثمار والتنمية.
فعودة النفط إلى حقول دير الزور لا تتوقف دلالتها عند استئناف استخراج الخام، بل ترتبط بقدرة القطاع على استعادة دوره الاقتصادي بعد سنوات من الاضطراب، وبمدى انعكاس هذه العودة على المنطقة التي ارتبط اسمها طويلاً بالثروة النفطية.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز