الغوطة الشرقية فقدت 90% من بساتينها.. الجفاف والعمران يستنزفان ما تبقى
لم تعد الغوطة الشرقية مجرد مساحة زراعية تقلصت بفعل سنوات الحرب، بل تحولت خسارتها إلى واقع مركب يصعب ترميمه: أشجار اقتُلعت أو دُمّرت، أراضٍ زحفت إليها الأبنية، مياه جوفية تُستنزف، وتربة فقدت جزءاً من خصوبتها، فيما تكافح الأسر التي بقيت مرتبطة بالزراعة للحفاظ على مصدر دخل يتراجع عاماً بعد آخر.
وتشير تقديرات مدير زراعة دمشق وريفها زيد أبو عساف إلى أن الغوطة الشرقية فقدت بين 80 و90% من أشجارها وبساتينها، نتيجة الحرب والقطع الجائر والتوسع العمراني وشق الطرق. وكانت الغوطة قبل الحرب تؤمّن نحو 60% من أشجار الفاكهة و40% من الخضروات في المنطقة، بينما قدرت منظمة الأغذية والزراعة “فاو” عام 2024 أن أكثر من 250 ألف شجرة دُمرت خلال السنوات الماضية.
بساتين اختفت.. وأرض فقدت جزءاً من قدرتها
لم تتوقف الخسارة عند الأشجار. فالحرب ألحقت أضراراً بالتربة، مع فقدان أجزاء من طبقتها السطحية الخصبة وترسب معادن ثقيلة، فيما تراجعت المادة العضوية في الأراضي المتضررة بنسب تراوحت بين 30 و50%.
وبالتوازي، أدى قطع الأشجار خلال سنوات الحرب لتأمين التدفئة والطبخ وبيع الأخشاب إلى استنزاف إضافي للغطاء النباتي. ومع التوسع العمراني، تقلصت المساحات الزراعية التي كانت تشكل حزاماً أخضر حول دمشق، لتتراجع معها وظائف بيئية أساسية، من تنقية الهواء وتلطيف المناخ إلى الحفاظ على التنوع الحيوي.
لكن الخسارة الأكثر مباشرة أصابت السكان. فقد تراجع إنتاج الفاكهة والخضروات، وتضررت مداخيل المزارعين، واضطر بعضهم إلى ترك أراضيه والبحث عن مصادر دخل أخرى، فيما أصبحت إعادة زراعة الأرض نفسها مرتبطة بكلفة لا يملك كثير من أصحابها القدرة على تحملها.
الماء يهدد ما تبقى
يأتي الجفاف واستنزاف المياه الجوفية ليضيفا طبقة جديدة إلى أزمة الغوطة. ويشير الخبير البيئي موفق الشيخ علي إلى أن اتساع الفجوة بين الطلب على المياه والكميات المتاحة يجعل إعادة الغطاء النباتي أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انتشار زراعات صيفية مرتفعة الاستهلاك للمياه وتوسع المزارع والفلل المزودة بالمسابح.
وفي ريف دمشق نحو 50 ألف بئر غير مرخص، مقابل قرابة 14 ألفاً و500 بئر مرخصة، بحسب مدير الموارد المائية في دمشق وريفها باسل غفاري، الذي حذر من آثار الحفر العشوائي على المياه الجوفية والسطحية.
وتكشف شهادات المزارعين حجم المأزق بصورة أوضح؛ ففي عربين يقول أنس فستقي إن أكثر من 95% من المزارعين ابتعدوا عن بساتينهم بسبب الجفاف، بينما يربط مزارعون في دوما وداريا وصحنايا استمرار الزراعة بقدرتهم على تحمل كلفة استخراج المياه وتشغيل المضخات.
وهكذا لا تكفي زراعة شجرة جديدة إذا لم تتوافر المياه اللازمة لبقائها سنوات قبل أن تدخل مرحلة الإنتاج.
تشجير رسمي أمام خسارة أكبر
تحاول محافظة ريف دمشق معالجة جانب من الخسارة عبر حملة “ريفنا أخضر”، التي تضمنت توزيع وزراعة 497 ألفاً و49 غرسة على مستوى المحافظة، مع تركيز على الغوطتين الشرقية والغربية.
لكن حجم الأرقام الرسمية لا يلغي الفجوة مع حجم الدمار. فاستعادة ملايين الأشجار والأراضي التي فقدت دورها الزراعي ليست مشروع تشجير موسمي، بل عملية طويلة تتطلب إعادة تأهيل شبكات الري، حماية الأراضي من البناء، معالجة التربة، ضبط الآبار، وتأمين مصادر مياه مستدامة.
كما أن غياب قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للغطاء النباتي والتربة والمياه يجعل قياس التراجع واستهداف المعالجة أكثر صعوبة.
الغوطة لا تحتاج إلى غراس فقط
المشكلة اليوم أن استعادة الغوطة لا تتعلق بإعادة الأشجار إلى الأرض فحسب، بل بإعادة الشروط التي تسمح لها بالبقاء. فالحرب استنزفت الأشجار والتربة، والعمران قلص المساحات الزراعية، والجفاف أضعف المياه، والآبار غير النظامية تزيد الضغط على ما تبقى من المخزون.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المعالجة الرسمية أبطأ بكثير من حجم الخسارة. فالغوطة التي فقدت ما يصل إلى 90% من بساتينها تحتاج إلى سياسة متكاملة للزراعة والمياه والتنظيم العمراني، لا إلى حملات تشجير منفصلة عن جذور الأزمة.
وما لم تُحمَ الأراضي المتبقية وتُضبط مصادر المياه ويُدعَم المزارعون فعلياً، فإن الخطر لا يكمن فقط في أن تتأخر عودة الغوطة الخضراء، بل في أن يصبح ما تبقى منها مجرد مساحات زراعية معزولة داخل تمدد عمراني ومائي لا يتوقف.
اقرأ ايضاً: الزراعة في الغوطة الشرقية تحت ضغط شح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج