إعادة إعمار سوريا.. صراع على الملكية وشكل المدن بعد الحرب

لا تقتصر معركة إعادة إعمار سوريا على تأمين الأموال وإعادة بناء ما دمرته الحرب، إذ تفتح المرحلة المقبلة ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بملكية العقارات، ومستقبل المناطق المتضررة، وطريقة إعادة تنظيمها، ودور السكان والمالكين والدولة والمستثمرين في تحديد شكلها الجديد.

وتزداد حساسية هذه الملفات في ظل إرث طويل من عمليات الاستملاك وإعادة توزيع الأراضي ومشاريع التنظيم العمراني، إلى جانب نزاعات على الملكية وحقوق لم تُحسم بصورة نهائية في بعض الحالات. ومع الدمار الواسع الذي خلفته الحرب، تبرز أسئلة حول ما إذا كانت إعادة الإعمار ستعيد إنتاج المدن كما كانت، أم ستقود إلى نماذج عمرانية وسكانية مختلفة.

ولا تبدو الإجابة مرتبطة بالتمويل وحده؛ فإعادة بناء منطقة مدمرة قد تتطلب إعادة النظر في ملكياتها واستخدامات أراضيها وتنظيمها، ما يجعل القرارات العمرانية مرتبطة مباشرة بملفات قانونية واجتماعية واقتصادية وبمستقبل السكان الذين كانوا يعيشون فيها.

إرث عقاري معقد

يقول الكاتب والسياسي درويش خليفة إن ملف إعادة الإعمار في سوريا يتجاوز الجانب الفني، ويمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الملكية العقارية والتوزيع السكاني والاقتصادي، إذا لم ترافقه ضمانات قانونية وآليات واضحة لحماية الحقوق.

ويضيف خليفة لـ”963+” أن معالجة آثار الحرب لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء الأبنية والبنية التحتية، بل يجب أن تشمل آثار التهجير وما رافق عهد النظام السابق، بحسب وصفه، من إعادة توزيع للثروة والنفوذ عبر مشاريع استثمارية وعقارية قال إنها مُنحت لجهات نافذة ومقربة من السلطة على حساب أصحاب الحقوق الأصليين.

ويرى أن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة شاملة لملف الملكية العقارية، ووضع تشريعات جديدة تضمن حقوق المهجرين والمتضررين، إلى جانب إنشاء آليات موثوقة لإثبات الملكيات وتوثيقها. ويقترح في هذا السياق الاستعانة بنقابات المهندسين والحقوقيين والمحامين المتخصصين في القانون الإداري، وإعداد تقارير ميدانية موثقة يمكن أن تساعد في تثبيت الحقوق.

القانون 10 والمرسوم 66

ويضع خليفة تجربة التنظيم العمراني التي بدأت قبل الحرب وخلالها ضمن الملفات التي ينبغي مراجعتها قبل إطلاق مشاريع واسعة لإعادة الإعمار.

ويشير تحديداً إلى المرسوم رقم 66 لعام 2012، الذي أتاح إعادة تنظيم مناطق واسعة، بينها مناطق عشوائية ومناطق متضررة، وتحويلها إلى مناطق تنظيمية جديدة تحت عناوين تطوير المدن وتحسين واقعها العمراني.

كما يدعو إلى إعادة النظر في القانون رقم 10 لعام 2018 والتعديلات التي لحقت به، باعتباره أحد التشريعات التي نظمت إحداث مناطق تنظيمية جديدة.

وبحسب خليفة، أثارت هذه التشريعات اعتراضات من أصحاب ملكيات اعتبروا أن تطبيقها مسّ بحقوقهم ومصالحهم، وانعكس ذلك في احتجاجات ومظاهرات طالبت بإنصافهم واستعادة حقوقهم.

ويستشهد خليفة بمشروعي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” في دمشق، إضافة إلى مشاريع أخرى في حمص وحلب ومناطق الساحل، معتبراً أن تجربة إعادة التنظيم العمراني في حال غياب الضمانات القانونية الكافية قد تؤدي، وفق رؤيته، إلى إعادة توزيع الملكية وتهميش بعض أصحاب الحقوق.

في المقابل، يؤكد أن تطوير المدن السورية ومعالجة مناطق السكن العشوائي وتحسين البنية العمرانية أهداف ضرورية، لكنه يرى أن تحقيقها يجب ألا يتم على حساب السكان وحقوقهم، خصوصاً أن المناطق العشوائية تضم شريحة واسعة من السوريين، ما يجعل التعامل معها ملفاً اجتماعياً واقتصادياً وحقوقياً، وليس مجرد مسألة تخطيط عمراني.

إعادة الإعمار وتغير التركيبة السكانية

الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان يرى بدوره أن إعادة الإعمار من أكثر الملفات تعقيداً، ليس فقط بسبب الموارد المالية الكبيرة التي تحتاج إليها الدولة لإعادة بناء البنية التحتية والمناطق المتضررة، وإنما أيضاً بسبب تشابكها مع قضايا الملكية والتنظيم والقوانين المتراكمة على مدى عقود.

ويشير علوان إلى أن سوريا شهدت خلال العقود الماضية عمليات استملاك واسعة، إضافة إلى أراضٍ مملوكة للدولة وُزعت بطرق مختلفة من دون أن تنتقل ملكيتها بصورة نهائية إلى بعض الأشخاص الذين حصلوا عليها، ما أدى إلى ظهور نزاعات ومطالبات متعددة حول الملكية والحقوق.

ويضيف أن إعادة الإعمار لا تعني بالضرورة إعادة بناء المناطق بالطريقة والشكل نفسيهما اللذين كانا قائمين قبل الحرب. ففي حال اقتصرت العملية على إعادة ما تهدم، تصبح قضية التمويل هي التحدي الأساسي، بينما قد يؤدي اعتماد نماذج عمرانية جديدة إلى تغييرات أوسع تمس استخدام الأراضي وطبيعة المجتمعات المحلية وتوزيع السكان.

ويقول علوان لـ”963+” إن تحديد مستقبل المناطق المدمرة يتطلب أولاً معالجة ملفات الملكية والحقوق المتراكمة، قبل اتخاذ قرارات نهائية بشأن طريقة إعادة بنائها.

ويشير إلى حيي القابون وجوبر في دمشق كمثال على مناطق تبرز فيها مخاوف لدى بعض السكان بشأن طبيعة الحلول والمشاريع المطروحة. ويرى منتقدون لهذه الطروحات أنها قد تقود إلى تغييرات ديموغرافية واسعة، لا تقتصر على انتقال السكان أو نزوحهم، وإنما قد تمتد إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسكانية للمناطق.

من يملك قرار إعادة تشكيل المدن؟

يرى علوان أن سؤال الجهة التي ينبغي أن تقرر شكل المناطق السورية ومستقبل ملكياتها لا يمكن اختزاله في الدولة أو المستثمرين أو السكان والمالكين وحدهم.

ويقترح مقاربة تقوم على ما يشبه “التعاقد الاجتماعي”، بما يسمح بالتوصل إلى صيغة تراعي حقوق المالكين ومصالح السكان ومتطلبات التنمية، إلى جانب دور الدولة والمستثمرين في عملية إعادة الإعمار.

وبحسب هذا التصور، فإن نجاح مشاريع إعادة البناء لا يرتبط فقط بقدرتها على توفير مساكن وبنية تحتية جديدة، وإنما أيضاً بدرجة قبول الأطراف المتأثرة بها، وبمدى مراعاتها للحقوق العقارية والاجتماعية.

إعادة الإعمار والاستقرار الاجتماعي

يشدد خليفة على أن سوريا أمام فرصة لإعادة بناء منظومتها القانونية والعمرانية على أسس مختلفة، تقوم، بحسب طرحه، على حماية الملكية وسيادة القانون وضمان حقوق المتضررين والمهجرين.

أما علوان، فيربط مستقبل إعادة الإعمار بالاستقرار الأوسع في البلاد، محذراً من أن تنفيذ مشاريع كبرى من دون توافق بين الأطراف المعنية قد يحول عملية إعادة البناء إلى مصدر جديد للتوتر.

وبذلك، لا تبدو إعادة إعمار سوريا مجرد مشروع لإزالة آثار الحرب وإعادة تأهيل المدن، بل عملية ستحدد، إلى جانب شكل العمران، مستقبل الملكيات واستخدام الأراضي وطبيعة المجتمعات المحلية. ويجعل ذلك من معالجة الحقوق العقارية وإشراك أصحاب المصلحة وضمان الأطر القانونية الواضحة عناصر أساسية في أي تصور لمستقبل المناطق المتضررة.

اقرأ أيضاً:ارتفاع إيجارات دمشق يدفع الأسر إلى الأطراف: السكن الأرخص بكلفة أعلى

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

 

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.