فحم طرطوس يُصنع من ضيق المعيشة.. 153 ضبطاً لا توقف قطع الأشجار مع غياب البدائل
لم تعد الأحراج في ريف طرطوس مصدرًا للظل والموارد الطبيعية فحسب، بل تحولت بالنسبة إلى بعض سكان المناطق الجبلية إلى مورد أخير لكسب الرزق. ومع انحسار فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، يجد بعض الأهالي في صناعة الفحم النباتي مهنة توفر دخلًا سريعًا، حتى عندما يكون ثمنها اقتطاع جزء من الغطاء الحراجي الذي تعتمد عليه المنطقة أصلًا.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم المشكلة؛ إذ سجلت مديرية زراعة طرطوس 153 ضبطًا في مناطق الشيخ بدر والقدموس وبانياس، وصادرت نحو 29 طنًا من الحطب و4.85 أطنان من الفحم، إلى جانب طنّين من أوراق الغار. وتشمل المخالفات قطع الأشجار الحراجية والتفحيم والنقل وجمع النباتات الطبية والعطرية من دون ترخيص.
حين يصبح الحطب مصدر الرزق
تعتمد صناعة الفحم التقليدية على ما يعرف محليًا بـ”المكامير”، حيث ترص الأخشاب وتغطى بالتراب والمواد النباتية وتحرق بكمية محدودة من الأكسجين حتى تتحول إلى فحم. وتستخدم في العملية أخشاب السنديان والبلوط والخرنوب، وفي بعض الحالات أشجار الزيتون والحمضيات.
لكن وراء هذه الصناعة غير النظامية، تظهر أزمة معيشية لا يمكن اختزالها في مخالفة حراجية. يقول أبو همام، وهو عامل في صناعة الفحم بريف طرطوس، إن ارتفاع تكاليف الحياة وندرة فرص العمل دفعاه إلى هذه المهنة بعدما أغلقت الخيارات الأخرى أبوابها.
يقول الرجل إن العاملين في هذا المجال لم يكونوا في السابق “أعداء” للغابات التي نشؤوا بجوارها، لكنه يضيف أن الحاجة الاقتصادية أقوى من قدرتهم على الانتظار. فحين يصبح تأمين الطعام والاحتياجات الأساسية أولوية يومية، تتحول الأشجار إلى مورد مالي مباشر، حتى لو كان استنزافها يهدد المورد نفسه على المدى الطويل.
153 ضبطاً.. والغابة تدفع الثمن
توزعت الضبوط المسجلة على ثلاث مناطق رئيسية؛ ففي الشيخ بدر سُجل 70 ضبطًا مع مصادرة سبعة أطنان من الحطب و750 كيلوغرامًا من الفحم، بينما سجلت القدموس 47 ضبطًا وصودرت فيها ثمانية أطنان من الحطب وأربعة أطنان من الفحم.
وفي بانياس، سجلت المديرية 36 ضبطًا، مع مصادرة 14 طنًا من الحطب و100 كيلوغرام من الفحم، إضافة إلى طنّين من أوراق الغار.
وتقول المديرية إنها تميز بين التفحيم المرخص والمخالف عبر التحقق من مصدر الأخشاب والرخصة والمدة المحددة للعمل، وتحيل الضبوط إلى القضاء، كما تنفذ دوريات وحواجز مشتركة لمراقبة نقل الأخشاب والفحم.
لكن استمرار تسجيل هذه المخالفات بهذا الحجم يطرح سؤالًا أوسع من قدرة الدوريات على ضبطها: ماذا يحدث عندما تصبح المخالفة نتيجة مباشرة لأزمة اقتصادية لا توفر للسكان بدائل كافية؟
رقابة محدودة أمام أزمة أوسع
تعتمد المديرية على 21 مخفرًا حراجيًا لمراقبة مناطق المحافظة، لكنها تقر بأن الرقابة تواجه نقصًا في الكوادر والخبرات الفنية، فضلًا عن قدم الآليات والمعدات ومحدودية عددها.
وفي المقابل، لا تتوقف أضرار القطع عند خسارة الأشجار. فإزالة الأشجار المعمرة، ولا سيما السنديان والبلوط، تضعف قدرة التربة على مقاومة الانجراف وتؤثر في الموائل الطبيعية للكائنات البرية، فيما تضيف المكامير التقليدية انبعاثات ودخانًا ومخاطر حريق في المناطق القريبة من الأحراج.
وهكذا تتقاطع أزمتان في الغابة نفسها: أزمة بيئية تتفاقم مع القطع غير المرخص، وأزمة اقتصادية تدفع بعض السكان إلى ممارسته. وبينما تركز المعالجة الرسمية على الضبط والمصادرة والملاحقة، تبقى المشكلة الأعمق معلقة خارج حدود الأحراج؛ في سوق عمل ضيق، ودخل لا يواكب تكاليف المعيشة، وغياب بدائل اقتصادية قادرة على منع تحول الموارد الطبيعية إلى وسيلة للبقاء.
وفي طرطوس، يصبح المشهد أكثر قسوة: الغابة التي يفترض أن تكون ثروة عامة تتحول إلى مصدر رزق اضطراري، فيما يؤدي استنزافها إلى تقليص الثروة التي سيحتاج إليها سكان المنطقة أنفسهم غدًا. ومع غياب معالجة اقتصادية موازية، تبدو مكافحة الفحم غير المرخص أشبه بمحاولة إيقاف النتيجة، بينما تبقى أسبابها مستمرة.
اقرأ أيضاً: حطب القنيطرة وريف دمشق الغربي يقفز إلى 50 ألف ليرة للطن.. التدفئة تدفع الأهالي نحو قطع الأشجار