محال السويداء تحت ضغط الإيجارات والركود.. مبيعات لا تكفي للبقاء ومشاريع تقترب من الإغلاق
لم يعد فتح محل تجاري في السويداء ضمانة لدخل مستقر، بل تحول بالنسبة إلى بعض أصحاب الأعمال إلى التزام مالي يتراكم مع مرور الأشهر. إيجارات مرتفعة، فواتير وأجور وضرائب، وبضائع تحتاج إلى رأس مال، في مقابل سوق تتراجع فيه القدرة الشرائية وتصبح المبيعات اليومية أقل قدرة على تغطية أبسط تكاليف الاستمرار.
وتراوح إيجارات المحال، بين نحو 100 دولار وأكثر من 600 دولار شهريًا، بحسب الموقع والمساحة، فيما تتراكم إلى جانبها تكاليف الكهرباء والضرائب وأجور العاملين والنقل والبضائع. وفي ظل هذا الاختلال، يجد أصحاب الأنشطة التجارية أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما الاستمرار بخسائر متراكمة، أو إغلاق مشروع جرى بناؤه خلال سنوات.
الإيجار ثابت.. والمبيعات تتراجع
اضطر “سامر الحلبي” (اسم مستعار)، الذي يملك محلين لبيع الملابس، إلى إغلاق أحدهما بعد أحداث تموز 2025، نتيجة تراجع الحركة الشرائية وارتفاع الإيجار وتكاليف التشغيل.
أما المحل الذي أبقاه مفتوحًا، فيدفع عنه 300 دولار شهريًا، لكنه دخل الشهر الثالث من دون القدرة على تسديد الإيجار، رغم استمرار العمل. ولا تتوقف النفقات عند هذا الحد، إذ يدفع نحو 8000 ليرة للكهرباء في الدورة الواحدة، إلى جانب الضرائب والمصاريف الأخرى.
يقول سامر إن المشكلة الأساسية لم تعد في الأسعار وحدها، بل في غياب الزبون القادر على الشراء. فبعدما كانت المبيعات مقبولة في السنوات السابقة، باتت الحركة داخل المحل تقتصر في كثير من الأحيان على السؤال عن السعر ثم المغادرة.
وهذا ما يعكسه واقع السوق نفسه؛ فالمحل قد يبقى مفتوحًا لساعات طويلة، فيما تستمر كلفته اليومية والشهرية بالارتفاع، من دون أن يرافقها تدفق مماثل في المبيعات.
تقليص العمالة بدل توسيع النشاط
وتتكرر الصورة لدى أصحاب أنشطة أخرى. تقول صاحبة محل تجاري إن العمل أصبح “خسارة بخسارة”، وإن المبيعات لم تعد تكفي حتى لتأمين قيمة الإيجار.
واضطرت، نتيجة تراجع الإيرادات، إلى الاستغناء عن الموظفة التي كانت تعمل معها والاستمرار بمفردها. ويكشف ذلك أحد المسارات التي تدفع إليها الأزمة: حين تعجز المنشأة الصغيرة عن تغطية أجور العاملين والإيجار وبقية المصاريف، تصبح اليد العاملة أول بند يجري تقليصه.
في المقابل، لا يستطيع أصحاب المحال رفع الأسعار بلا حدود لتعويض ارتفاع التكاليف، لأن أي زيادة إضافية قد تعني فقدان مزيد من الزبائن في سوق تعاني أصلًا ضعف القدرة الشرائية.
ويشير صاحب محل للإكسسوارات والمكياج في ساحة السير إلى أن الحركة في متجره أفضل نسبيًا، لكنها لا تعكس نشاط السوق عمومًا، فيما يضطر ضعف هامش الربح أصحاب بعض الأنشطة إلى رفع أسعار سلع محددة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية.
موسم ضائع وتكاليف لا تنتظر
يزداد الضغط عندما تكون التجارة مرتبطة بالمواسم. فقد تأثر أصحاب محال الملابس بانقطاع طريق دمشق-السويداء مطلع أيلول، بعدما وصلت بعض طلبيات الملابس المدرسية متأخرة، ما أفقدها جزءًا من موسم يفترض أن يكون من أكثر فترات العام نشاطًا.
وهنا تظهر هشاشة السوق بصورة أوضح: الإيجار لا يتوقف، والأجور والمصاريف مستمرة، بينما يمكن لتأخر شحنة أو اضطراب طريق أن يبدد موسمًا تجاريًا كاملًا.
حتى أصحاب المشاريع الصغيرة الذين لجؤوا إلى “الكولبات” والأكشاك لتجنب كلفة المحال الكبيرة لم يجدوا أنفسهم خارج دائرة الضغط. فقد رصدت “عنب بلدي” إيجارات تبدأ من نحو 5000 ليرة، بينما تتجاوز أجرة بعضها 100 دولار في مواقع أخرى.
ولا تقدم هذه البدائل حلًا فعليًا لأزمة السوق، بقدر ما تكشف اتساعها؛ فحين يصبح حتى المشروع الصغير عاجزًا عن تحمل كلفة المكان، تصبح المشكلة أكبر من قدرة التاجر الفرد على إدارتها.
في السويداء، لا تبدو أزمة المحال التجارية مجرد تراجع مؤقت في المبيعات، بل انعكاسًا لأزمة اقتصادية أوسع تتراجع فيها القدرة الشرائية بينما تبقى تكاليف التشغيل مرتفعة وثابتة. ومع غياب حلول اقتصادية تخفف كلفة العمل وتعيد تنشيط الطلب وتدعم المشاريع الصغيرة، يبقى صاحب المحل عالقًا بين إيجار يستحق كل شهر وسوق لا يضمن له مبيعات تكفي لدفعه.
اقرأ أيضاً: المشاريع الصغيرة في السويداء.. محاولات للنجاة من الأزمة وسط تمويل محدود ومستقبل اقتصادي غامض