معامل البلوك في درعا تتمدد قرب المنازل.. مناطق صناعية غير مكتملة وشكاوى من السكان
لم يعد موقع معامل البلوك في درعا مجرد تفصيل يتعلق بمكان الإنتاج، بعدما تحولت بعض المنشآت القائمة قرب الأحياء السكنية إلى مصدر يومي للضوضاء والغبار وحركة الشاحنات. وفي المقابل، يجد أصحاب المعامل أنفسهم أمام خيار محدود: الاستمرار في مواقعهم الحالية أو الانتقال إلى مناطق صناعية يفترض أن تكون مخصصة لهذا النشاط، لكنها لا تزال غير مكتملة في أجزاء واسعة من المحافظة.
وتكشف هذه المفارقة خللاً أوسع في إدارة النشاط الحرفي والصناعي في درعا؛ فالمشكلة ليست في حاجة السوق إلى البلوك، ولا في وجود معامل توفر مادة أساسية لأعمال البناء والترميم، وإنما في تأخر تأمين مواقع صناعية قادرة على استيعاب هذا النشاط بعيداً عن التجمعات السكنية.
وتضم المحافظة، بحسب اتحاد حرفيي درعا، 13 منطقة صناعية، أُنجزت واحدة منها في مدينة درعا، فيما لا تزال 12 منطقة أخرى قيد الإنجاز. وتضم المناطق غير المكتملة 1229 مقسماً و2033 منشأة لمختلف المهن.
معامل سبقت العمران.. لكن السكن وصل إليها
يقول سكان مجاورون لهذه المعامل إن عدداً منها كان قائماً قبل توسع العمران، عندما كانت مواقعها بعيدة عن المنازل، لكن تمدد الأبنية وتزايد السكان جعلا المسافة الفاصلة بينها وبين المناطق السكنية تتقلص تدريجياً.
وتتركز الشكاوى على الضوضاء الناتجة عن آلات الإنتاج والآليات الثقيلة، والغبار المتطاير، إضافة إلى حركة الشاحنات التي تمر بالقرب من المنازل والأراضي الزراعية.
ويقول أحد سكان ضواحي درعا إن الاعتراض لا يتعلق بوجود معامل البلوك باعتبارها منشآت إنتاجية، وإنما بموقعها، موضحاً أن التعرض للضجيج والغبار لساعات طويلة يجعل المشكلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن.
لكن أصحاب المعامل يقدمون رواية مختلفة. فبعضهم يقول إن منشآته قائمة منذ أكثر من 30 عاماً، وإنها كانت عند تأسيسها خارج المخططات التنظيمية وبعيدة عن التجمعات السكنية، قبل أن يزحف العمران إليها.
ويرى أصحاب المعامل أن نقلها لا يمكن أن يتم بقرار إداري فقط، إذ يحتاج إلى مقاسم مجهزة بالكهرباء والطرق والخدمات الأساسية، وهي شروط لا تتوافر بعد بصورة كاملة في المناطق الصناعية المخصصة.
قطاع يضم 1659 حرفياً
بحسب رئيس اتحاد حرفيي درعا بلال الغزاوي، يبلغ عدد أصحاب المهن المسجلين لدى الاتحاد ضمن القطاع نحو 1659 حرفياً، بينهم خمسة مقالع اعتمدت لها جمعية خاصة بمقاطع الحجر.
ويشير الغزاوي إلى أن تأمين الإسمنت أصبح يتم عبر القطاع الخاص بعد أن كان يستجر عن طريق اتحاد الحرفيين، بينما تتأثر أسعار البلوك بتغير أسعار الإسمنت وتكاليف الإنتاج والضرائب وشروط المواقع.
ويعني ذلك أن كلفة تنظيم المعامل لا تقع على أصحابها وحدهم؛ فالمعمل يحتاج إلى أرض وخدمات وطريق مناسب وكهرباء، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف التشغيل في النهاية إلى انعكاس إضافي على سعر مادة البناء التي تدخل في كل عملية ترميم أو تشييد.
مناطق صناعية موجودة على الورق
تظهر المشكلة بصورة أوضح عند النظر إلى خريطة المناطق الصناعية في المحافظة. فمن أصل 13 منطقة، أنجزت واحدة في مدينة درعا وتضم 856 منشأة، بينما بقيت 12 منطقة في مدن وبلدات أخرى ضمن مراحل الإنجاز، رغم وجود آلاف المقاسم والمنشآت المخصصة للحرفيين.
وهذه ليست مشكلة مستجدة بالكامل؛ فقد أشارت تقارير سابقة إلى تعثر المناطق الصناعية في درعا لسنوات، كما أكدت مديرية الصناعة في أيار 2026 أن عدم اكتمال المناطق الصناعية والمدينة الصناعية يعطل إنشاء عدد من الفعاليات، بينها مكابس البلوك الآلي.
وبذلك يجد الحرفي نفسه أمام معادلة مربكة: الدولة تطلب منه الالتزام بالموقع النظامي، لكنها لا توفر دائماً الموقع المكتمل الذي يمكن أن ينتقل إليه.
الترخيص لا يحل مشكلة المكان
يخضع ترخيص معامل البلوك، وفق معاون مجلس مدينة درعا جهاد أبو نبوت، لأحكام المرسوم رقم 2680 لعام 1977 والقرار الوزاري رقم 1414، مع إمكانية الترخيص الدائم داخل المدن والمناطق الصناعية والأماكن المخصصة، أو الترخيص المؤقت خارج التنظيم وفق الشروط المحددة.
وتشمل الشروط مساحة لا تقل عن ألف متر مربع، إلى جانب تجهيزات إدارية وخدمية وسياج وبوابة ومستودع وغرفة للحارس.
لكن وجود شروط تفصيلية للترخيص لا يعني أن المشكلة التنظيمية انتهت. فحين تكون المناطق الصناعية غير مكتملة، يتحول الشرط القانوني نفسه إلى حلقة إضافية في أزمة قائمة أصلاً، ويظل المعمل في موقعه الحالي، فيما تستمر الشكاوى من حوله.
وتقول مديرية صناعة درعا إنها تعمل على تنظيم القطاع وتشجيع المنشآت على الانتقال إلى المناطق الصناعية، مع التأكيد على الالتزام بالشروط البيئية والفنية.
غير أن التحدي الفعلي يتجاوز إصدار الرخص وإجراء الكشوف. فالمطلوب هو إنهاء المناطق الصناعية وتجهيزها فعلياً، ثم نقل الأنشطة إليها ضمن خطة واضحة، بدلاً من إبقاء السكان وأصحاب المعامل في مواجهة مشكلة كان يفترض أن يحلها التخطيط العمراني منذ البداية.
ولا تبدو أزمة معامل البلوك أزمة صناعة بقدر ما تبدو أزمة مكان وتنظيم وتأخر في التنفيذ. فالمادة مطلوبة، والمعامل توفر فرص عمل وتخدم قطاع البناء، لكن استمرارها قرب المنازل يعني أن كلفة غياب التخطيط لا يدفعها طرف واحد، بل يتقاسمها الحرفي والسكان والسوق معاً.
اقرأ أيضاً: الإسمنت في سوريا بين توقف المعامل وتدفق المستورد