الأمم المتحدة تحدد أربع عقبات أمام التعافي في سوريا: النزوح والأمن والتوتر الإقليمي
تضع الأمم المتحدة استمرار نزوح ملايين السوريين، وتدهور الوضع الأمني، ومخلفات الحرب، والتوترات الإقليمية، ضمن أبرز التحديات التي تعرقل التعافي في سوريا، في وقت تؤكد فيه أن التقدم المحرز يحتاج إلى دعم سياسي واقتصادي وإغاثي مستمر.
وجاءت هذه المواقف خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، تحدث فيها وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، ونائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، حول الاحتياجات الإنسانية والتطورات السياسية والأمنية في البلاد.
فليتشر: أربعة تحديات تعرقل التعافي
قال توم فليتشر، خلال إحاطته أمام مجلس الأمن، إن سوريا تواجه أربع عقبات رئيسية تؤثر في مسار التعافي، تبدأ باستمرار نزوح أعداد كبيرة من السكان، ولا تنتهي بالتحديات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالتوترات الإقليمية.
وأوضح أن نحو 5.5 مليون شخص لم يعودوا إلى ديارهم، بينهم قرابة 800 ألف شخص ما زالوا في المخيمات، مشيرًا إلى أن أكثر من 75% من الموجودين فيها هم من النساء والأطفال.
وأشار فليتشر كذلك إلى أن انعدام الأمن المحلي يعرقل جهود التعافي، في حين تمثل الألغام والذخائر غير المنفجرة خطرًا مستمرًا على السكان. ووصف الألغام بأنها تحول جهود التعافي إلى «مقامرة مميتة».
أما على المستوى الإقليمي، فقال إن تصاعد التوترات أدى إلى تعطيل سلاسل التوريد، وتراجع القدرة على الوصول الإنساني، وزيادة الضغوط الاقتصادية على الأسر السورية.
ورغم هذه التحديات، ذكر المسؤول الأممي أن الأمم المتحدة تمكنت خلال العام الحالي من الوصول إلى أكثر من 2.5 مليون شخص شهريًا، بالتعاون مع نحو 300 شريك.
ودعا فليتشر إلى مواصلة دعم الجهود الرامية إلى إنجاح مبادرة الحكومة «سوريا بلا مخيمات»، بما يضمن عودة آمنة للراغبين في العودة.
وطرح المسؤول الأممي ثلاثة مطالب أمام أعضاء مجلس الأمن، تمثلت في:
-
الاستثمار في الانتقال من الاستجابة للاحتياجات الإنسانية إلى إعادة الإعمار والنمو
-
إزالة عوائق التعافي والتنمية، بما يشمل إزالة الألغام ورفع الأنقاض، ومواصلة معالجة العقبات الإدارية، ودعم سبل العيش
-
استخدام الثقل السياسي اللازم للحفاظ على سوريا بمنأى عن الصراعات الإقليمية
كوردوني: التقدم يحتاج إلى خطوات إضافية
من جانبه، قال نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، إن دمشق أحرزت تقدمًا مهمًا ينبغي الاعتراف به ودعمه، لكنه شدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب زخمًا إضافيًا لمعالجة التحديات التي لا تزال قائمة.
وأوضح أن السلطات السورية مطالبة بتعزيز المؤسسات الخاضعة للمساءلة، وتوسيع المشاركة، وحماية الحيز المدني، ومواصلة مسار العدالة الانتقالية.
وفي المقابل، دعا الشركاء الدوليين إلى تقديم دعم سياسي وعملي مستمر لجهود التعافي وإعادة الإعمار، فضلًا عن دعم عمليات العودة الآمنة والكريمة والطوعية.
ووصف كوردوني الخطوات المتخذة نحو التكامل الاقتصادي بأنها «لافتة»، وحث الدول المانحة على تسهيل الاستثمار والتعاون الاقتصادي. لكنه أشار إلى فجوة بين هذه الفرص والواقع المعيشي، قائلًا إن الإمكانات الاقتصادية «تتناقض بشكل صارخ مع الضغوط الاقتصادية التي يواجهها السوريون العاديون».
وأضاف أن المواطن السوري سيقيّم التعافي الاقتصادي في نهاية المطاف من خلال انعكاساته على حياته اليومية.
الشمال الشرقي والسويداء ضمن الملفات الأمنية
وفي ما يتعلق بشمال شرقي سوريا، أشار كوردوني إلى إحراز تقدم مهم، لكنه أعرب عن قلقه إزاء حادثة اختطاف ومقتل مقاتل سابق في «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مؤخرًا.
ورحب بجهود كبار المسؤولين الحكوميين والمستشار الرئاسي مظلوم عبدي لاستعادة الهدوء في المنطقة.
أما في السويداء، فوصف المسؤول الأممي الوضع بأنه «يبعث على قلق عميق»، مؤكدًا أن معالجة ملف المحافظة ومستقبل طائفتها الدرزية يجب أن تتم في نهاية المطاف على يد السوريين أنفسهم، وفي إطار سوريا موحدة، بعيدًا عن التدخلات الخارجية المعرقلة.
كوردوني يطالب بوقف الانتهاكات الإسرائيلية
وفي ما يخص الجنوب السوري، طالب كوردوني بوقف الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة سوريا وسلامة أراضيها، واحترام اتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974.
وقال إن معالجة المخاوف الأمنية بصورة مستدامة لا يمكن أن تتحقق عبر العمل العسكري أحادي الجانب أو الوجود العسكري مفتوح المدة، مؤكدًا أن الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا يشكل انتهاكًا لاتفاق عام 1974.
ورحب بجهود الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة للتوصل إلى تفاهم بين سوريا وجيرانها، بما يسهم في خفض التوترات وإرساء ترتيبات أمنية مستدامة.
تحديات المرحلة الانتقالية
تأتي إحاطة المسؤولين الأمميين في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة انتقالية تقترب من عامها الثاني، وسط تحديات أمنية ومعيشية وإغاثية متداخلة.
ولا تزال أعداد كبيرة من السوريين خارج مناطق سكنهم، فيما يواجه بعض الراغبين في العودة صعوبات تتعلق بغياب البنية التحتية والخدمات اللازمة للحياة اليومية.
كما تستمر مخلفات الحرب، بما فيها الألغام والذخائر غير المنفجرة، في تهديد السكان، خصوصًا في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية مكثفة.
وفي الجنوب، لا يزال ملف السويداء يفتقر إلى تسوية دبلوماسية نهائية، وسط تباين حول سبل معالجة الأزمة المستمرة منذ أكثر من عام بين الحكومة السورية والفصائل المحلية التابعة لحكمت الهجري.
ويتزامن ذلك مع استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، في ظل رفض إسرائيلي الانسحاب من المناطق التي دخلتها القوات، مقابل مطالب سورية بالعودة إلى ترتيبات اتفاق فض الاشتباك الموقع بين الجانبين عام 1974.