صيدليات مناوبة في حلب تغلق أبوابها ليلاً.. جدول النقابة لا يطابق الخدمة الفعلية
حين يحتاج المريض إلى دواء في منتصف الليل، لا يعود جدول المناوبات مجرد قائمة منشورة على صفحات نقابة الصيادلة، بل يصبح دليلاً يفترض أن يقوده مباشرة إلى مكان العلاج. لكن شكاوى من سكان في حلب تكشف فجوة بين ما هو معلن وما يجده المواطن فعلياً، مع إغلاق بعض الصيدليات المدرجة على جداول المناوبة قبل انتهاء ساعات عملها، ما يحوّل الحصول على دواء عاجل إلى رحلة بحث إضافية في مدينة تقل فيها خيارات النقل ليلاً.
المشكلة لا تتعلق فقط بباب صيدلية مغلق، بل بمدى موثوقية نظام يفترض أن يؤمّن خدمة دوائية مستمرة خارج أوقات الدوام المعتاد، في ظل غياب بدائل كافية في بعض الأحياء.
جدول معلن ومريض يبحث في الشوارع
واجه عبد الله مكي، من سكان حي المحافظة، هذه المشكلة عند حاجته إلى دواء قرابة الساعة الواحدة ليلاً. توجه إلى صيدليتين مدرجتين ضمن جدول المناوبة بالقرب من منزله، لكنه وجدهما مغلقتين، واضطر إلى البحث بنفسه عن صيدلية مفتوحة حتى وصل إلى صيدلية قرب مستشفى الرازي.
يقول مكي إن التجربة دفعته إلى التخلي عملياً عن الاعتماد على جدول المناوبات، والبحث مباشرة عن صيدلية مفتوحة أو التوجه إلى الصيدلية المركزية. ولم يتقدم بشكوى إلى النقابة، لكنه يرى أن الرقابة يفترض أن تمنع وصول المواطن إلى هذه المرحلة من البحث، خصوصاً أن الوصول إلى صيدلية بعيدة ليلاً ليس خياراً سهلاً لمن لا يملك وسيلة نقل.
وتعمل الصيدلية المركزية في حلب على مدار الساعة، كما تستقبل صيدليات المستشفيات المرضى خارج نظام المناوبات المعتاد. أما بقية الصيدليات فتتوزع مناوباتها على ورديتين، الأولى حتى الساعة الواحدة والنصف ليلاً، والثانية حتى الصباح.
الرقابة موجودة.. والمخالفة مستمرة
يقول مجلس فرع نقابة الصيادلة في حلب إن إعداد جداول المناوبات ومتابعة الالتزام بها من مسؤوليات الفرع، وإن الصيدلي يختار المشاركة في النظام وفق شروط محددة، أبرزها وجوده شخصياً خلال فترة المناوبة.
وتقول النقابة إنها شكلت لجاناً رقابية في القطاعات المختلفة، تضم كل منها ثمانية صيادلة، لتنفيذ جولات ميدانية على الصيدليات المناوبة والتحقق من فتحها ووجود الصيدلي على رأس عمله. وفي حال ثبوت المخالفة، يحرم الصيدلي من المناوبة ثلاثة أشهر، فيما قد تؤدي المخالفة المتكررة إلى إخراج الصيدلية من جدول المناوبات.
لكن إقرار النقابة بوجود مخالفات يضع السؤال في مكان آخر: لماذا يصل المواطن أساساً إلى صيدلية مغلقة وهو يتبع جدولاً رسمياً يفترض أن يكون محدثاً وموثوقاً؟
فالرقابة التي لا تمنع تكرار الخلل، والعقوبة التي تأتي بعد ضياع وقت المريض، لا تعالجان المشكلة كاملة. وفي قطاع يرتبط مباشرة بالحاجة الصحية، تصبح دقة المعلومة جزءاً من الخدمة نفسها، لا تفصيلاً إدارياً يمكن تجاوزه.
حل مطروح.. لكن خارج المعالجة الرسمية
يقترح الصيدلي نور موصلي السماح للصيدليات الراغبة بالعمل على مدار الساعة، على غرار الصيدلية المركزية، موضحاً أن ذلك يتطلب قانونياً وجود ثلاثة صيادلة لتوزيع ساعات العمل.
وترى الصيدلانية حميدة ميرعي أن نظام المناوبات منصف من حيث توزيع الورديات، مع احتمال حدوث ظروف طارئة تستدعي الإغلاق المؤقت، لكنها تؤكد أن عدم الالتزام من دون سبب واضح لا يمكن تبريره.
وتكشف هذه الآراء أن الحلول المطروحة ما تزال تدور حول قدرة الصيدلي والنقابة على تنظيم العمل، بينما يغيب عن المشهد تدخل حكومي واضح يضمن خدمة دوائية ليلية مستقرة، ولا يترك المواطن رهينة جداول قد لا تطابق الواقع.
وفي النهاية، لا يحتاج المريض إلى جدول جميل ومنشور، بل إلى صيدلية يجد بابها مفتوحاً عندما يحتاج إليها. وما دام المواطن مضطراً للتحقق بنفسه من الصيدلية المناوبة، فإن المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في ضعف الثقة بالخدمة نفسها، وفي منظومة رقابية لم تنجح بعد في تحويل المناوبة من التزام ورقي إلى خدمة يمكن الاعتماد عليها.
اقرأ ايضاً: بين أزمة المعيشة وضوابط المهنة: الصيدليات في اللاذقية تتحول إلى “عيادات بديلة”