المخدرات والعملات المزورة تضغط على أسواق إدلب وتوسع نشاط شبكات الجريمة المنظمة

تواجه محافظة إدلب شمال غربي سورية تحديات أمنية واقتصادية متداخلة، مع نشاط شبكات تتورط في ترويج المخدرات وتزوير العملات وارتكاب جرائم سرقة، في وقت تزيد فيه الظروف المعيشية الصعبة من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للاستغلال.

وتظهر آثار هذه الظاهرة في أكثر من جانب، من انتشار حبوب الكبتاغون ومواد مخدرة أخرى بين الشباب، إلى الخسائر التي يتكبدها التجار نتيجة تداول العملات المزورة، ولا سيما فئة الـ200 ليرة تركية، بينما تقول الأجهزة الأمنية إنها تلاحق شبكات مرتبطة بهذه الأنشطة وتعمل على تفكيكها.

ارتفاع تعاطي المخدرات

أظهرت دراسة أعدتها منظمة “مد غلوبال” بالتعاون مع مركز الحوار السوري ارتفاع نسبة متعاطي المخدرات في سورية بنسبة 167%، إذ ارتفعت النسبة من 3% قبل عام 2011 إلى 8% بعده.

وأشارت الدراسة إلى أن الحشيش يأتي بين المواد الأكثر انتشاراً بنسبة 66%، يليه الترامادول بنسبة 64%، ثم الكبتاغون بنسبة 56%، ما يضع سورية، بحسب الدراسة، بين الدول العربية التي تشهد معدلات مرتفعة في انتشار تعاطي المخدرات.

وفي إدلب، تقول شهادات من السكان إن آثار الإدمان لا تقتصر على المتعاطين، بل تمتد إلى أسرهم، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية.

تجربة شاب مع الإدمان

أحمد الغنوم، البالغ 25 عاماً، كان يعمل في ورشة خياطة مع والده في أحد أحياء إدلب، قبل أن يُقتل والده في قصف استهدف الحي مطلع عام 2020. وجد أحمد نفسه بعدها مسؤولاً عن أسرة تضم والدته المريضة وشقيقتين صغيرتين، من دون دخل ثابت.

يقول أحمد إن الضغوط المعيشية دفعته إلى مرافقة شبان يتعاطون الحبوب في الأسواق، قبل أن يلتقي بصديق قديم أصبح من المروجين، وقدّم له جرعة مجانية وصفها بأنها “هدية ترحيب”.

خلال أسابيع، تحول التعاطي إلى إدمان، وبدأ أحمد ببيع أثاث منزله لتأمين ما يحتاجه من الحبوب. ويصف تلك المرحلة قائلاً إنه فقد القدرة على التمييز بين الليل والنهار، وبدأ يرى أشكالاً ويسمع أصواتاً غير موجودة.

ويقول إن نقطة التحول جاءت بعد أن وجدته شقيقته الصغرى فاقداً للوعي، وظنت أنه توفي. عندها قرر طلب العلاج، فتوجه إلى مركز علاجي مجاني في عفرين، حيث خضع لرحلة تعافٍ استمرت ثلاثة أشهر، واجه خلالها أعراضاً انسحابية قاسية.

يعمل أحمد حالياً في ورشة خياطة متواضعة، ويشارك أحياناً في جلسات توعية يروي خلالها تجربته محذراً الشباب من الوقوع في الإدمان، ويقول إن المخدرات ليست حلاً للمشكلات التي يحاول المتعاطون الهروب منها.

الإدمان ينعكس على الأسر

لا تتوقف تداعيات تعاطي المخدرات عند الشخص المدمن، إذ تواجه بعض الأسر ظروفاً معقدة نتيجة السلوكيات المرتبطة بالإدمان والعنف والخسائر المالية.

في حي السكن الشبابي المكتظ بالنازحين شمالي إدلب، عاشت ليلى الحمصي، البالغة 28 عاماً، تجربة مماثلة مع زوجها رائد، الذي كان يعمل نجاراً قبل إصابته بشظية في عموده الفقري خلال قصف مدينة إدلب، وفق روايتها.

بدأ رائد باستخدام الترامادول لتخفيف الألم المزمن، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى حبوب الكبتاغون، بحسب زوجته. ومع تفاقم تعاطيه، بدأت الأسرة تواجه مشكلات مالية وسلوكية متزايدة.

تقول ليلى إن زوجها باع ماكينة الخياطة التي كانت تملكها، وأصبح المال الذي يحصل عليه من العمل الموسمي ينفق سريعاً على المخدرات. واضطرت، وفق روايتها، إلى إخفاء بعض الطعام خوفاً من بيعه، كما كانت تغلق باب الغرفة عليها وعلى أطفالها عندما تشتد نوبات غضبه.

وبعد حادثة وقعت قبل شهرين، قالت ليلى إن رائد حاول انتزاع قرط ابنتها الصغيرة لبيعه، ما دفعها إلى مغادرة المنزل ليلاً برفقة أطفالها الثلاثة والتوجه إلى منزل شقيقها في بلدة أطمة القريبة.

تعمل ليلى منذ ذلك الحين في ورشة لصناعة المؤن المنزلية لإعالة أطفالها، بينما تقول إن آثار التجربة لا تزال حاضرة لدى أبنائها، الذين يعيشون حالة من الخوف كلما سمعوا أصوات رجال في الشارع.

تنوع المواد المخدرة والعمليات الأمنية

بحسب المعطيات الواردة في المادة، تنتشر في إدلب وشمال غربي سورية مواد مخدرة متعددة، بينها الكبتاغون والكوكايين والهيروين والحشيش والكريستال ميث، في ظل انتشار صيدليات عشوائية وغير مرخصة وتحديات أمنية واقتصادية في المنطقة.

وفي مارس/آذار 2026، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في إدلب تفكيك عصابة متخصصة بسرقة الدراجات النارية، وضبط مواد مخدرة وقنابل يدوية وذخائر حية بحوزة أفرادها.

وفي الشهر التالي، أسفرت عملية أمنية عن ضبط نحو مليون حبة كبتاغون وإلقاء القبض على أربعة من كبار قادة شبكات تهريب المخدرات الدولية.

وفي يونيو/حزيران الماضي، أعلنت إدارة مكافحة المخدرات تنفيذ عملية أسفرت عن توقيف اثنين من أبرز مروجي وتجار المخدرات، وضبط 600 ألف حبة كبتاغون، إلى جانب أسلحة خفيفة ومتوسطة وحشوات لقواذف “RPG” وذخائر وقنابل متنوعة.

أما في يوليو/تموز الماضي، فأوقفت الجهات الأمنية خلية مؤلفة من خمسة أشخاص في مدينة حارم بإدلب، على خلفية اتهامات بالاتجار بالمخدرات وترويج العملات المزورة وارتكاب عمليات سرقة.

كما أعلنت إدارة مكافحة المخدرات أن إجمالي المضبوطات خلال يوليو/تموز الماضي بلغ نحو 7 ملايين و141 ألف حبة كبتاغون، و1190 كيلوغراماً من الحشيش، و124 ألفاً و335 حبة دوائية، و8.3 كيلوغرامات من الكريستال، و15 ألفاً و168 حبة من البيوغابلين، و1.8 كيلوغرام من المواد الأولية، و151 غراماً من الكوكايين، و22 غراماً من الهيروين، وذلك خلال 48 عملية أمنية.

العملات المزورة تضرب التجار

إلى جانب المخدرات، تواجه أسواق إدلب مشكلة أخرى تتمثل في تداول العملات المزورة، مع تسجيل انتشار واسع لتزوير فئة الـ200 ليرة تركية، وفق شهادات تجار وصرافين.

ويقول الصراف محمد الشعبان، البالغ 52 عاماً، إنه يعمل في سوق إدلب منذ نحو 30 عاماً، وإن العملات التركية المزورة أصبحت من أبرز المشكلات التي واجهها خلال مسيرته.

ويروي الشعبان أنه اكتشف قبل ستة أشهر أن أكثر من نصف مبلغ كبير من فئة الـ200 ليرة تركية أحضره أحد تجار الخضار كان مزوراً. وبعد الاشتباه بإحدى الأوراق، فحصها بيده ولاحظ نعومة زائدة وألواناً أكثر سطوعاً، قبل أن يكشف باستخدام عدسة مكبرة أن الشريط الأمني ملصق وليس مدمجاً في الورقة.

ويقول الصراف إن حالات مشابهة تتكرر باستمرار، وإنه يرفض أسبوعياً نحو ثلاث صفقات صرافة بسبب العملات المزورة. كما يشير إلى أن خسائره الشخصية تجاوزت 100 ألف ليرة تركية خلال شهرين، ما دفعه إلى فحص كل ورقة من فئة الـ200 ليرة باستخدام العدسة والمصباح قبل قبولها.

ويضيف أن الشباب وكبار السن من بين الأكثر عرضة للخسارة بسبب قلة الخبرة أو الاستعجال، داعياً إلى تكثيف حملات التوعية وفحص الأوراق النقدية قبل التعامل بها.

الأمن: الشبكات تستغل الظروف الاقتصادية

وقال رئيس فرع المباحث الجنائية في محافظة إدلب، الملازم أول عبد السلام اليحيى، لـ”سورية الجديدة”، إن المخدرات تمثل مصدر قلق للأجهزة الأمنية، خصوصاً مع محاولات شبكات استهداف فئة الشباب.

وأوضح أن الأجهزة لا تملك حالياً أرقاماً دقيقة حول حجم الظاهرة، لكنها ترصد، من خلال القضايا التي يجري ضبطها، محاولات مستمرة لإدخال المخدرات وترويجها، وفي مقدمتها حبوب الكبتاغون.

وأشار اليحيى إلى أن طبيعة المنطقة والظروف الأمنية وانفتاح إدلب على المحافظات الأخرى التي كانت تحت حكم النظام السابق، إضافة إلى استغلال المروجين للظروف الاقتصادية الصعبة لتجنيد الشباب، تمثل أبرز التحديات أمام مكافحة المخدرات.

وفي ما يتعلق بالعملات المزورة، قال إنه لا توجد إحصائية دقيقة يمكن إعلانها حول حجم الخسائر أو عدد التجار المتضررين، لكن البلاغات تشير إلى خسائر تطاول تجاراً بشكل شبه يومي، وتتفاوت قيمتها بحسب حجم تعاملاتهم.

ولفت إلى أن رؤوس بعض العصابات التي تنشط في إدلب لا يقيمون داخل المحافظة، وإنما في محافظات أخرى، فيما يعتمدون على مندوبين داخل إدلب. وأضاف أن الأجهزة الأمنية تمكنت من توقيف عدد منهم وملاحقة مصادر التمويل، بما في ذلك التحويلات المشبوهة والأموال المرتبطة بهذه الأنشطة.

وقال اليحيى إن بعض الملفات كشفت عن ارتباط أكثر من نشاط إجرامي، مثل المخدرات والتزوير، لكنه شدد على أن ذلك لا ينطبق على جميع القضايا.

التوعية إلى جانب الملاحقة الأمنية

يعتبر المسؤول الأمني أن تعاون السكان والتجار يمثل عاملاً أساسياً في مواجهة هذه الجرائم، مشيراً إلى أن عدداً من القضايا بدأ بمعلومات أو بلاغات قدمها مواطنون.

وبالتوازي مع ملاحقة المروجين، قال إن حملات توعية تُنفذ بالتعاون مع خطباء المساجد والجهات المختصة وبعض المؤسسات المجتمعية، بهدف رفع الوعي بالمخاطر الصحية والاجتماعية للمخدرات.

ويرى اليحيى أن الحد من الظاهرة يتطلب عملاً يتجاوز الإجراءات الأمنية، ويشمل توسيع برامج التوعية والتأهيل وتحسين الظروف الاقتصادية التي تستغلها الشبكات لاستقطاب الشباب، إلى جانب استمرار ملاحقة الشبكات المنظمة وتبادل المعلومات للحد من نشاطها.

وبينما تكشف العمليات الأمنية عن كميات كبيرة من المخدرات المضبوطة وشبكات متورطة في أنشطة مختلفة، تظهر شهادات المتعاطين وأسرهم والتجار المتضررين جانباً آخر من المشكلة، يتعلق بالآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها هذه الأنشطة على المجتمع المحلي في إدلب وشمال غربي سورية.

اقرأ أيضاً:نقص المدارس يضغط على تعليم إدلب.. 50 مدرسة تعود والخدمات لا تكفي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.