رفع أسعار المحروقات في سوريا يوسّع أزمة المعيشة.. النقل والأسواق أمام موجة غلاء جديدة
لم تتوقف تداعيات قرار رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا عند محطات الوقود، إذ سرعان ما انعكست على حركة النقل والأسواق والخدمات، بالتزامن مع احتجاجات وقطع طرق في الحسكة والرقة وإدلب وأرياف حلب. وجاء القرار في وقت تواجه فيه الأسر تراجعاً في قدرتها الشرائية وارتفاعاً متراكماً في تكاليف المعيشة، ما أعاد طرح أسئلة حول كيفية إدارة كلفة الأزمة الاقتصادية وتوزيع أعبائها.
ورفعت وزارة الطاقة أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين نحو 25 و40%، شملت زيادة تقارب 40% للمازوت ونحو 26 إلى 28% للبنزين. وربطت الوزارة الخطوة بارتفاع كلفة تأمين الوقود من الأسواق العالمية، إلا أن آثارها امتدت سريعاً إلى قطاعات تعتمد على المحروقات في النقل والإنتاج والخدمات.
وتزامن ذلك مع اضطراب في حركة المواصلات، بعدما توقف أو امتنع عدد من سيارات الأجرة ووسائل النقل عن العمل بانتظار تحديد تعرفة جديدة تتناسب مع ارتفاع كلفة التشغيل.
ويقول مهران عجيب، وهو سائق ميكروباص على خط اللاذقية ـ جبلة، لموقع “العربي الجديد”، إن غياب التعرفة الجديدة دفع بعض السائقين إلى الانتظار قبل استئناف العمل، ما تسبب بازدحام في الكراجات.
الوقود يرفع كلفة النقل والسلع
تتجاوز أهمية المحروقات سعرها المباشر بالنسبة للمستهلك، نظراً لدخولها في قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي. فالمازوت يستخدم في النقل وتشغيل المولدات والآليات الزراعية وبعض الأنشطة الصناعية والخدمية، بينما يرتبط البنزين بحركة السيارات الخاصة والعامة وسيارات الأجرة.
ويحذر الخبير الاقتصادي ومستشار الطاقة زياد أيوب عربش، من تحول الزيادة إلى “صدمة سعرية واسعة”، موضحاً أن ارتفاع تكلفة الوقود ينتقل إلى النقل والإنتاج ثم إلى أسعار السلع والخدمات، في ما يعرف بـ”التضخم المدفوع بالتكاليف”.
ويرجح عربش أن يكون قطاع النقل أول المتأثرين، قبل أن تمتد الزيادة إلى الخضار والفواكه والمواد الغذائية وغيرها بسبب ارتفاع تكاليف نقلها. كما قد يظهر أثر إضافي في المناطق التي تعتمد على المولدات الخاصة، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع سعر المازوت إلى زيادة بدل الاشتراك بالكهرباء، بما يضيف عبئاً جديداً على الأسر.
وتشير مؤشرات أولية إلى بدء انتقال الزيادة إلى الأسواق، إذ يقول التاجر عبد الغني نجار من اللاذقية إن ارتفاع أجور التوصيل بدأ ينعكس على أسعار المواد الاستهلاكية، مقدراً الزيادة المباشرة في بعض الأسعار بما يتراوح بين 10 و20%.
ولا يقتصر تأثير المازوت على النقل، بل يمتد إلى سلسلة إنتاج الخبز، بدءاً من نقل القمح والطحين وصولاً إلى تشغيل الأفران وتوزيع الخبز.
ويرى عربش أن تثبيت سعر الخبز المدعوم رسمياً لا يلغي الضغوط المحتملة على الخبز غير المدعوم أو على انتظام الإنتاج في المناطق التي تعاني أصلاً من نقص المحروقات والكهرباء.
وفي محاولة للحد من أثر ارتفاع الوقود على إنتاج الخبز، أعلن نائب وزير الاقتصاد والصناعة السوري ماهر خليل الحسن مساء الأحد خفض سعر الدقيق المخصص لإنتاج الخبز بنسبة 25%، مع التأكيد على الحفاظ على سعر الربطة ووزنها.
فجوة الطاقة تضع الحكومة أمام خيار صعب
تأتي الزيادة في الأسعار وسط فجوة كبيرة بين إنتاج الطاقة وحجم الطلب المحلي. ووفق وزارة الطاقة، يبلغ إنتاج النفط نحو 100 ألف برميل يومياً، في حين تصل الاحتياجات إلى نحو 350 ألف برميل، بينما يقدر إنتاج الغاز بنحو 7.5 ملايين متر مكعب يومياً مقابل حاجة تقترب من 22 مليون متر مكعب لتوليد الكهرباء.
وتعني هذه الفجوة اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الاستيراد، وبالتالي تأثر كلفة الوقود بتقلبات الأسواق العالمية وتكاليف النقل والتأمين. ومن هذا الجانب، يمكن النظر إلى رفع الأسعار باعتباره محاولة للتعامل مع كلفة الاستيراد وترشيد الاستهلاك.
لكن عربش يرى أن الجدل لا يتعلق بمبررات رفع الأسعار فقط، وإنما بطريقة تطبيق القرار وتوزيع آثاره. ويعتبر أن الزيادة المفاجئة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة الغذاء والسكن والتعليم والنقل يمكن أن تزيد الضغوط المعيشية وتعمق الفقر والاحتقان الاجتماعي.
ويقترح الخبير إجراءات مرافقة للقرار، تشمل ضبط أجور النقل، وتأمين كميات كافية من المازوت للمخابز والنقل العام والزراعة، وتشديد الرقابة على الأسواق، وتوسيع الدعم الموجه إلى الأسر الأكثر تضرراً، إضافة إلى نشر بيانات واضحة بشأن كلفة استيراد الوقود وحجم العجز والهدر.
الاحتجاجات تتجاوز قرار الوقود
لم تقتصر الاحتجاجات التي شهدتها عدة مناطق على الاعتراض على ارتفاع أسعار المحروقات، إذ يرى متابعون أنها جاءت في سياق تراكم عوامل اقتصادية وخدمية وسياسية جعلت قطاعات من السكان أكثر استعداداً للاحتجاج.
ويقول الناشط عبد الوهاب أبو علي إن غلاء المعيشة كان العامل المباشر وراء الاحتجاج، لكنه يربط حالة الاحتقان أيضاً بما يعتبره تعثراً في ترجمة الإرادة السياسية إلى قرارات وعمل حكومي، إلى جانب ضعف التنسيق بين الوزارات والبيروقراطية، وغياب شعور لدى المواطنين بأن أداء المسؤولين والحكومة يعكس أهداف الثورة ومبادئها.
أما الصحافي حسن عبد الله الخلف، فيضع احتجاجات المناطق الشرقية ضمن سياق أوسع من التهميش الاقتصادي والخدمي. ويشير إلى أن محافظة الرقة، خصوصاً، شهدت خلال الأشهر الماضية تراكم عدد من الملفات، بينها سوء إدارة ملف طوفان نهر الفرات، وتعثر إعادة بعض المفصولين إلى وظائفهم بسبب نشاطهم السياسي، إضافة إلى إبعاد أبناء المنطقة عن الوظائف العامة.
ويعتبر الخلف أن رفع أسعار المحروقات كان العامل الذي دفع هذا الاحتقان إلى الواجهة، في ظل شعور لدى شرائح من سكان المناطق التي احتضنت الثورة بأن الحكم الجديد لم يحول تضحياتهم بعد إلى مكاسب ملموسة.
كما يشير إلى عوامل أخرى تغذي الاستياء، بينها ما يصفه بشعور بوجود تمييز لصالح “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على حساب العرب في الجزيرة السورية، والاستياء من بعض الحفلات والمهرجانات التي ترعاها الحكومة في مناطق محافظة اجتماعياً، إلى جانب تراكم الشعور بعدم العدالة.
الحكومة أمام اختبار إدارة الأزمة
يضع التصعيد الحالي الحكومة أمام تحدٍ يتجاوز مسألة تعديل أسعار الوقود، إذ يرتبط أيضاً بطريقة اتخاذ القرارات الاقتصادية الكبرى وشرحها للرأي العام، ومدى التنسيق بين مؤسسات الدولة وقدرتها على تحمل النتائج المترتبة عليها.
وتطرح الاحتجاجات في هذا السياق مطالب تتعلق بالشفافية والمشاركة والمساءلة، وهي عناصر ترتبط بمفهوم الحكم الرشيد الذي يقوم على الاستجابة لاحتياجات المواطنين وإخضاع صانعي القرار للرقابة والمحاسبة.
كما يعيد ضعف التنسيق بين الوزارات طرح أسئلة حول آليات العمل التنفيذي وتحديد الأولويات الوطنية، خصوصاً عندما تؤثر القرارات الاقتصادية مباشرة في النقل والغذاء والطاقة والخدمات.
وفي هذا السياق، لا ينظر المواطن إلى سعر الوقود وحده، بل يقارن الزيادة بما يحصل عليه في المقابل من كهرباء ونقل وخدمات، وبمدى كفاءة إدارة الموارد العامة.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الشعب جلسة استماع لوزير الطاقة محمد البشير في 17 سبتمبر/أيلول الحالي، بناءً على طلب رئيس لجنة الطاقة، لمناقشة نشرة أسعار المشتقات النفطية الصادرة في 13 سبتمبر وأسباب رفع الأسعار والاعتبارات التي رافقت إصدار القرار.
كما دعت “حركة العمل الوطني” إلى تجميد القرار مؤقتاً وفتح حوار بشأن ملف الطاقة والأسعار، واقترحت تشكيل لجنة وطنية تضم ممثلين عن الوزارات والمؤسسات الحكومية ومجلس الشعب والهيئات الاقتصادية والنقابية والخبراء والمجتمع المدني.
وتقترح الحركة أن تتولى اللجنة دراسة تكاليف الاستيراد والإنتاج والتوزيع، ومراجعة آليات التسعير وتقدير الآثار الاجتماعية للقرارات، إلى جانب فتح نقاش مجتمعي حول الخيارات الاقتصادية الصعبة التي تواجه الدولة.
وبينما تحاول الحكومة معالجة فجوة الطاقة وارتفاع كلفة تأمين الوقود، يكشف انتقال أثر القرار سريعاً إلى النقل والأسواق والخدمات أن ملف الأسعار بات مرتبطاً بصورة مباشرة بالقدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي، وليس بسياسة المحروقات وحدها.
اقرأ أيضاً:لليوم الثاني.. احتجاجات في الحسكة ودير الزور والرقة رفضًا لرفع أسعار المحروقات
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز