وفد اقتصادي أمريكي في دمشق لبحث فرص الاستثمار والشراكات مع سوريا
بحث وفد اقتصادي أمريكي يضم ممثلين عن أكثر من 50 شركة، خلال زيارة إلى دمشق، فرص الاستثمار في السوق السورية وإمكانات التعاون مع القطاع الخاص والجهات الحكومية، في وقت تقول واشنطن إنها تشجع شركاتها على دخول السوق بعد عقود من الانقطاع.
وقال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي، جيكوب ماكجي، امس الاثنين إن «الحاجز» الذي كان قائماً بين الولايات المتحدة وسوريا ويعيق الاستثمار «تمت إزالته»، مشيراً إلى أن بعض الشركات الأمريكية بدأت بالفعل خطوات الدخول إلى السوق السورية ووقعت اتفاقيات مع شركات محلية.
وذكر ماكجي، بحسب ما نقلته الوكالة السورية للأنباء (سانا)، شركات «شيفرون» و«إتش كي إن» و«فيزا» و«ماستر كارد» بوصفها أمثلة على شركات اتخذت خطوات أولية في هذا الاتجاه، معتبراً أن هذه التحركات تمثل بداية مهمة لاستعادة العلاقات الاقتصادية.
وأضاف أن وزارتي الخارجية والتجارة الأمريكيتين، إلى جانب الحكومة الأمريكية، «جاهزون لتقديم الدعم لسوريا»، معتبراً أن الحوار وبناء الثقة بين المستثمرين من الجانبين يمكن أن يمهدا الطريق أمام مذكرات تفاهم تتحول لاحقاً إلى عقود وشراكات طويلة الأمد.
وجاءت تصريحات ماكجي خلال الجولة الثانية من المباحثات الوزارية التي بدأت في دمشق الاثنين، وتستمر على مدار اليوم، بمشاركة الوفد الاقتصادي الأمريكي، لبحث فرص الاستثمار وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
غرفة التجارة الأمريكية تعمل على منصة لدعم التنمية
خلال اجتماعات اليوم الأول من الزيارة، الأحد، كشف نائب رئيس غرفة التجارة الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ستيف لوتس، عن عمل الغرفة على إنشاء منصة اقتصادية تهدف إلى دعم التنمية في سوريا.
وقال لوتس إن الغرفة أجرت خلال الفترة الماضية لقاءات مع ممثلي شركات وقطاع الأعمال، بمشاركة مسؤولين سوريين في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الشركات الأمريكية تنظر إلى السوق السورية بتفاؤل.
وأرجع ذلك إلى عاملين رئيسيين، بحسب تصريحه:
-
جهود القيادة السورية، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، إلى جانب مجتمع الأعمال السوري
-
إصرار السوريين على العمل، بما يمكن أن ينعكس، وفق تقديره، على نجاح سوريا والشركات الأمريكية معاً
وأوضح لوتس أن الوفد يعتزم عقد لقاءات مع رواد الأعمال والمسؤولين الحكوميين خلال الزيارة، بهدف التعرف إلى الاحتياجات الاقتصادية والفرص المتاحة.
وتُعد غرفة التجارة الأمريكية (U.S. Chamber of Commerce) من أكبر منظمات وشبكات مناصرة الأعمال في العالم. تأسست عام 1912، وتمثل حالياً أكثر من ثلاثة ملايين شركة ومؤسسة بمختلف أحجامها، إلى جانب الجمعيات التجارية وغرف التجارة المحلية والولائية.
اهتمام أمريكي بقطاع الاتصالات والتكنولوجيا
من بين الشركات المشاركة في الوفد، شركة «Sybertex» الأمريكية للتكنولوجيا، التي قال صاحبها هيثم الضمور إن مشاركته تهدف إلى استكشاف الفرص الاستثمارية وإمكانية توظيف خبرات الشركة في تطوير البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في سوريا.
واعتبر الضمور أن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب من شأنه تسهيل توريد تجهيزات الاتصالات، بما قد يساعد على تطوير القطاع وتعزيز قدراته التقنية.
وكانت إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين السورية أقامت، مساء الأحد، حفل استقبال للوفد الأمريكي، بحضور ممثلين عن الحكومة السورية ووزارات وهيئات وجهات وطنية، إضافة إلى رجال أعمال ومستثمرين من سوريا والولايات المتحدة.
11 قطاعاً ضمن اهتمامات الشركات المشاركة
بحسب مصدر شارك في المباحثات وتحدث إلى «عنب بلدي» متحفظاً عن ذكر اسمه، فإن الوفد يضم شركات موزعة على 11 قطاعاً. ولم يُعلن عن مكان انعقاد بعض المباحثات لدواعٍ أمنية، وفق المصدر ذاته.
وأشار المصدر إلى أن القطاعات الأكثر جذباً للاهتمام الاستثماري الأمريكي تشمل:
الطاقة والكهرباء
يمثل القطاع أولوية قصوى نظراً إلى فجوة الإنتاج والحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية. وتشمل الفرص المحتملة توريد معدات التوليد، وصيانة الشبكات والمحطات، ومشاريع الطاقة الشمسية والمتجددة، واستكشاف حقول النفط والغاز وتطويرها، وعقود التشغيل والصيانة، ومشاريع منتجي الطاقة المستقلين (IPP)، إلى جانب التوريد التقني.
البنية التحتية والإعمار
يحتاج القطاع إلى مشاريع لإعادة تأهيل الشبكات الأساسية والمرافق الخدمية، بما فيها المياه والصرف الصحي والإسكان والطرق والمطارات، فضلاً عن إنشاء مناطق صناعية حديثة. ويتطلب ذلك، وفق المصدر، بيئة استثمارية شفافة وضمانات سياسية ومالية وأطراً قانونية للشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).
الاتصالات والتكنولوجيا
يشمل الاهتمام مد شبكات الألياف الضوئية، وإنشاء مراكز البيانات، وتطوير الحلول السيبرانية والبنية التحتية للحكومة الإلكترونية والدفع الرقمي، إلى جانب المساهمة في تحديث القطاع المصرفي والإدارة العامة وسلاسل الإمداد.
التمويل والمصارف والتكنولوجيا المالية
يتركز الاهتمام على تقنيات التكنولوجيا المالية (FinTech)، وأنظمة الدفع الرقمي، وخدمات إدارة المخاطر والائتمان، بما قد يساعد على إعادة ربط سوريا بالنظام المالي العالمي وتسهيل التجارة. ويرتبط ذلك بوضوح السياسات النقدية، والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال، وتطوير الأطر التنظيمية للربط المصرفي الدولي.
النقل واللوجستيات
تتضمن الفرص المطروحة إدارة الموانئ والمطارات، وتطوير المناطق الحرة والمستودعات الذكية، وتوفير خدمات لوجستية للتجارة الإلكترونية، مع الاستفادة من الموقع الجغرافي لسوريا في الربط الإقليمي والتجارة العابرة.
الزراعة والصحة والدواء
تشمل المجالات المطروحة تقنيات الري الحديثة والبذور والتخزين المبرد والتصنيع الغذائي، بهدف زيادة الإنتاجية وتقليل الهدر، إلى جانب توريد الأجهزة والمستلزمات الطبية، وإدارة المستشفيات، وتأهيل البنية التحتية للقطاع الدوائي.
الحكومة السورية: الزيارة فرصة لتطوير العلاقات الاقتصادية
خلال حفل استقبال الوفد، قال وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار إن بلاده تتطلع إلى أن تسهم الزيارة في التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات تحقق مصالح مشتركة وتدعم التنمية والاستثمار في سوريا.
بدوره، شدد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل على أهمية الاستفادة من خبرات الشركات الأمريكية في تطوير قطاع التكنولوجيا، مشيراً إلى أن العمل يتركز على إعادة ربط سوريا بالعالم وتعزيز علاقاتها مع الدول الكبرى، إلى جانب تنفيذ برامج تطوير الاتصالات وتقانة المعلومات، وتوسيع البنية التحتية للألياف الضوئية، وتحقيق الربط الإقليمي والتحول الرقمي وبناء الكفاءات الوطنية.
من جهتها، قالت رئيسة قسم التعاون الأمريكي في إدارة التعاون الدولي بوزارة الخارجية والمغتربين السورية، ملك العمري، إن الإدارة تتولى التنسيق بين الشركات الأمريكية والجهات الحكومية السورية.
وأوضحت أن برنامج الزيارة يمتد يومين، ويتضمن لقاءات ثنائية مع الجهات الحكومية لاستكشاف فرص الاستثمار وآلياته، بما يشمل الإجراءات المالية والحوكمة والبيئة العامة للأعمال والاستثمار.
خبير: الزيارة لا تعني تلقائياً تدفق استثمارات كبرى
يرى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد تيسير الفقيه، المطلع على الاستثمارات الأمريكية، أن الزيارة تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتعكس اهتماماً باختبار السوق السورية والتعرف إلى احتياجاتها الاستثمارية خلال مرحلة إعادة البناء والانفتاح الاقتصادي.
وقال الفقيه، في حديث إلى «عنب بلدي»، إن الزيارة قد تسهم في تحسين صورة سوريا بوصفها سوقاً قابلة لإعادة الاندماج في الاقتصاد الدولي، وفتح قنوات مباشرة بين الشركات الأمريكية والقطاع الخاص السوري، فضلاً عن تحديد مشاريع قابلة للتنفيذ في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والخدمات.
وأضاف أن التعاون المحتمل قد يتيح نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية والتمويلية، ويشجع شركات وصناديق استثمار أخرى على دراسة دخول السوق، كما يمكن أن يدعم الانتقال من مرحلة المساعدات والاستجابة الإنسانية إلى الاستثمار والإنتاج.
لكن الفقيه شدد على أن الزيارة، مهما بلغت أهميتها، لا تعني تلقائياً تدفق استثمارات كبرى، إذ تمر الاستثمارات عادة بمراحل تبدأ بالاستكشاف واللقاءات، ثم دراسة الجدوى والفحص القانوني والمالي، وصولاً إلى توقيع العقود والإغلاق المالي والبدء بالتنفيذ.
البيئة القانونية والمالية في صدارة أسئلة المستثمرين
بحسب الفقيه، يبحث ممثلو الشركات الأمريكية قبل اتخاذ قراراتهم عن وضوح البيئة القانونية والسياسية والمالية، وليس فقط عن حجم السوق أو انخفاض تكاليف الإنتاج.
وتشمل الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة، وفق تقديره:
-
مدى استقرار القوانين والأنظمة
-
إمكانية حماية الملكية الخاصة وتنفيذ العقود
-
قدرة المستثمر على تحويل رأس المال والأرباح
-
توافر قنوات مصرفية وتمويل تجاري قابلة للاستخدام
-
الجهات المخولة بمنح التراخيص
-
المخاطر المرتبطة بالامتثال
-
هوية الشركاء المحليين وسلامة أوضاعهم القانونية والمالية
-
قدرة البنية التحتية والخدمات الأساسية على دعم تشغيل المشاريع
وأشار إلى أن الشركات تبحث عن مشاريع محددة ذات تدفقات نقدية واضحة، لا عن عناوين عامة مثل «الفرص الواعدة». وقد يشمل ذلك محطة كهرباء مرتبطة بعقد شراء واضح، أو شبكة اتصالات تملك قاعدة مشتركين، أو مشروعاً لوجستياً بإيرادات محددة، أو حقلاً نفطياً تتوافر عنه بيانات فنية موثوقة، أو مشروعاً صناعياً يلبي الطلب المحلي ويتيح التصدير.
كما يتوقع الفقيه أن تبحث الشركات عن شركاء سوريين يتمتعون بالخبرة والسمعة والقدرة على العمل في البيئة المحلية، مع ضرورة وضوح الملكية ومصادر الأموال والعلاقات التجارية، والابتعاد عن المخاطر القانونية أو العقوبات.
توصيات لتحويل الاهتمام إلى مشاريع قابلة للتنفيذ
يرى الفقيه أن جذب الاستثمارات الأمريكية يتطلب من الحكومة السورية الانتقال من عرض القطاعات إلى تقديم مشاريع محددة، بحيث يتوافر لكل مشروع ملف يتضمن:
-
دراسة جدوى فنية ومالية مستقلة
-
تقديراً واضحاً لحجم الاستثمار
-
نموذج إيرادات قابلاً للتحقق
-
معلومات عن الأرض والأصول والبنية التحتية
-
جدولاً زمنياً للتنفيذ
-
إطاراً قانونياً وتعاقدياً واضحاً
-
تحديد المخاطر والضمانات المطلوبة
-
مؤشرات فرص العمل والقيمة المضافة المحلية
ويقترح إنشاء قاعدة بيانات استثمارية باللغتين العربية والإنجليزية، تتضمن خرائط للمشاريع والفرص القطاعية والبيانات المالية والجهات المسؤولة عن كل مشروع.
كما يشدد على ضرورة تفعيل نافذة استثمارية موحدة تتيح للمستثمر التعامل مع جهة واحدة بدلاً من مراجعة وزارات ومؤسسات متعددة. ويشمل ذلك، بحسب تصوره، طلباً إلكترونياً واحداً، ومدداً محددة للرد على طلبات الترخيص، وقائمة معلنة بالوثائق المطلوبة، ونظاماً لتتبع الطلبات، وآلية واضحة للاعتراض وحل النزاعات، وكوادر قادرة على التواصل مع الشركات الدولية باللغة الإنجليزية.
ويضيف الفقيه أن حماية الاستثمار تتطلب أيضاً ضمان الملكية الخاصة، واستقلال القضاء التجاري، وسرعة البت في النزاعات، وضمان تنفيذ العقود، وتنظيم نزع الملكية والتعويض، والسماح بتحويل الأرباح ورأس المال، واعتماد التحكيم التجاري الدولي في المشاريع الكبرى، وتحقيق المساواة بين المستثمر المحلي والأجنبي.
من عقود التوريد إلى الاستثمارات المباشرة
يعتقد الفقيه أن الزيارة قد تشكل بداية لاستثمارات كبيرة، لكن ذلك مرتبط بقدرة الحكومة السورية على تحويل الاهتمام السياسي والتجاري إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ.
وقد تبدأ الخطوات الأولى، وفق تقديره، بعقود توريد وخدمات استشارية وإعادة تأهيل وحلول تقنية، إلى جانب شراكات صغيرة ومتوسطة، قبل الانتقال إلى استثمارات مباشرة في الطاقة والبنية التحتية والمصارف والاتصالات.
ويخلص الخبير إلى أن تقييم الزيارة لا ينبغي أن يقتصر على عدد الشركات المشاركة أو البيانات الصادرة عنها، بل على عدد المشاريع التي تنتقل فعلياً إلى مراحل دراسة الجدوى، ثم التعاقد والتمويل والتنفيذ.
اقرأ أيضاً:واشنطن تتمسك بخريطة طريق السويداء وسط ضغوط لإعادة التفاوض