تذبذب سعر الصرف في سوريا يربك الإنتاج.. كلفة متغيرة واستثمار يبحث عن الاستقرار

لا يحتاج المنتج السوري إلى أزمة جديدة حتى تتبدل حساباته؛ يكفي أن يتحرك سعر الصرف. ففي اقتصاد يعتمد جزء كبير من إنتاجه على مواد أولية وتجهيزات وقطع تبديل وطاقة مرتبطة بالأسواق الخارجية، يتحول تقلب الليرة إلى عامل يبدد القدرة على حساب الكلفة والتسعير والتخطيط، ويضع المنتج أمام دورة إنتاج لا يعرف عند بدايتها ما الذي ستساويه عند نهايتها.

المشكلة، وفق اقتصاديين وفعاليات إنتاجية، ليست في ارتفاع سعر الصرف أو انخفاضه بحد ذاته، بل في غياب القدرة على توقع مساره. وهذه المساحة الرمادية تضغط على الصناعة والزراعة والتجارة، وتضعف قدرة الاقتصاد السوري على استعادة نشاطه وجذب استثمارات جديدة، في وقت تحتاج فيه الحكومة الانتقالية إلى بيئة أكثر استقراراً لدفع عجلة الإنتاج.

المنتج يشتري اليوم ويحسب خسارته غداً

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار اليوسف أن تقلب سعر الصرف في سوريا يربك مختلف أطراف السوق، من المنتج والمستورد إلى التاجر والمستهلك، لأن أسعار المواد الأولية والطاقة والنقل والتجهيزات تتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحركة العملات.

وتزداد المشكلة بالنسبة إلى المنتج الذي يشتري مستلزماته بسعر صرف معين، ثم يجد نفسه بعد أسابيع أو أشهر أمام كلفة مختلفة عند استكمال دورة الإنتاج. وبذلك تصبح عملية التسعير أقرب إلى محاولة للحاق بالسوق منها إلى حساب اقتصادي مستقر، فيما تتراجع قدرة المنشآت على وضع خطط إنتاج وتسويق طويلة الأمد.

ويؤكد الصناعي محمد صباغ أن استقرار سعر الصرف ضروري لتمكين المنشآت من احتساب كلفة المواد الأولية والتجهيزات وقطع التبديل، مشيراً إلى أن أي تغير متكرر يربك الخطط التي تحتاج إلى فترة زمنية بين شراء المستلزمات وطرح المنتج في الأسواق.

انخفاض الدولار لا يعني بالضرورة انتصار المنتج

المفارقة أن انخفاض سعر الدولار بصورة مفاجئة لا يخفف الضغوط عن المنتجين بالضرورة. فإذا دخلت سلع مستوردة بأسعار أقل من كلفة إنتاج مثيلاتها محلياً، يجد المصنع والمزارع نفسيهما في مواجهة منافسة لا تستند دائماً إلى تكافؤ في شروط الإنتاج.

ويشير اليوسف إلى أن حماية المنتج الوطني لا تعني إغلاق السوق أمام الاستيراد، لكنها تحتاج إلى سياسة نقدية وتجارية وجمركية واضحة تمنع تحول فروق الأسعار إلى عامل يطيح بالمنتج المحلي.

وهنا تظهر مشكلة أوسع في إدارة السوق: فالمنتج لا يحتاج فقط إلى سعر صرف أقل تقلباً، بل إلى قواعد يمكن توقعها. أما القرارات المتغيرة والتفسيرات المتعددة فتدفع المستثمر إلى تأجيل قراره، والتاجر إلى زيادة هامش الأمان، والمستهلك في النهاية إلى تحمل الكلفة.

الاستثمار لا يأتي إلى اقتصاد مجهول الحسابات

يربط اليوسف استقرار سعر الصرف بقدرة سوريا على استعادة الاستثمار، موضحاً أن رأس المال يبحث عن بيئة يمكن تقدير مخاطرها قبل البحث عن الحوافز.

وهذا تحديداً ما يجعل أي سياسة استثمارية منفصلة عن الاستقرار النقدي محدودة الأثر. فالإعفاءات والتسهيلات لا تكفي إذا كان المستثمر عاجزاً عن معرفة كلفة مشروعه، أو قيمة موارده عند تحويلها، أو العائد المتوقع بعد فترة من الزمن.

ويضيف التاجر وهيب إبراهيم أن وضوح السياسة النقدية والتجارية يساعد الأسواق على تحديد تكاليف الاستيراد والتسعير، ويقلل حالة الترقب التي تزداد مع كل حركة مفاجئة في سوق العملات.

الحكومة أمام كلفة غياب السياسة المتكاملة

المشكلة لا تنحصر في سعر الصرف نفسه، بل في قدرة الحكومة الانتقالية على إدارة انعكاساته. فاستقرار السوق لا يتحقق بقرارات منفصلة، وإنما بتنسيق واضح بين السياسة النقدية والتجارة والجمارك والطاقة والإنتاج والتمويل.

ويحتاج المنتج السوري إلى أكثر من وعود دعم الإنتاج؛ يحتاج إلى مستلزمات يمكن تسعيرها، وقواعد استيراد مستقرة، وتمويل قابل للتوقع، وسوق أقل عرضة للمضاربة والاحتكار والتهريب.

لذلك، فإن استقرار سعر الصرف ليس ترفاً نقدياً ولا مطلباً يخص التجار وحدهم. إنه شرط أساسي لكي يعرف المنتج ماذا سينفق، وبأي سعر سيبيع، وما إذا كان الاستثمار في سوريا يمكن أن يتحول من مخاطرة مفتوحة إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار. وما لم تنجح الحكومة الانتقالية في بناء هذه المعادلة، سيبقى الحديث عن إنعاش الإنتاج والاستثمار محكوماً بسوق لا تمنح أحداً يقيناً كافياً

 

 

اقرأ أبضاً: تقلبات سعر الصرف في اللاذقية: ضغوط متزايدة على التجار والمستهلكين

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.