الرواتب ترتفع والأسعار تلاحقها.. هل دخل الاقتصاد السوري مرحلة التعافي الحقيقي؟

لم تعد زيادة الرواتب في سوريا وحدها كافية للإجابة عن سؤال تحسن مستوى معيشة المواطنين، فالراتب قد يرتفع اسمياً بنسب كبيرة، لكن قيمته الحقيقية تتحدد بما يستطيع شراءه من الغذاء والطاقة والسكن والخدمات، وبالمقدار الذي يبقى منه بعد تغطية الاحتياجات الأساسية.

وبينما أظهرت الأشهر الماضية تحسناً في بعض المؤشرات الاقتصادية، لا تزال الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة واسعة بما يكفي لجعل الحديث عن تحسن القوة الشرائية بحاجة إلى قدر كبير من التحفظ.

سباق الأجور والأسعار

شهدت الأجور زيادات كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، بالتزامن مع تحسن نسبي في سعر الصرف وتباطؤ التضخم.

وصرح صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد السوري أظهر مؤشرات على التعافي خلال الأشهر الأخيرة، مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وزيادة إمدادات الكهرباء، وعودة اللاجئين، واندماج سوريا تدريجياً مع الاقتصادين الإقليمي والعالمي

مشيراً إلى أن التضخم تباطأ إلى مستويات منخفضة من خانة العشرات بنهاية عام 2025، بالتوازي مع تحسن سعر الصرف مقارنة بعام 2024.

لكن تباطؤ التضخم لا يعني أن الأسعار انخفضت، بل يعني أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ، ما يجعل قياس أثر زيادة الرواتب أكثر تعقيداً.

ووفقاً للحقائق والأرقام الصادرة عن المركز السوري لبحوث السياسات، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في شباط/فبراير الماضي بنسبة 6.5 بالمئة على أساس شهري، بينما ارتفعت أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 7.9 بالمئة، والغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 5.9 بالمئة، وهي زيادات تصيب البنود الأكثر صعوبة في خفضها داخل ميزانية الأسرة.

الأرقام تكشف اتساع الفجوة

تكشف مقارنة الأجور بتكاليف المعيشة حجم المشكلة بصورة أوضح، إذ أظهرت بيانات المركز السوري لبحوث السياسات أن متوسط الأجر الشهري للموظف الجامعي في القطاع العام، عند بدء التعيين، بلغ نحو 1.13 مليون ليرة في شباط الماضي، مقابل 1.32 مليون في القطاع الخاص، بينما وصل خط الفقر المدقع للأسرة إلى 3.11 مليون ليرة شهرياً، وخط الفقر الأعلى إلى 6.76 مليون ليرة.

ووفق حسابات المركز نفسه، لم يغط أجر الموظف الحكومي الجامعي سوى أقل من 63 بالمئة من خط الفقر المدقع، بما يعكس فجوة كبيرة بين الدخل والاحتياجات الأساسية.

وفي آذار/ مارس، لم تتغير الصورة جوهرياً، إذ بقي متوسط أجر الموظف الجامعي في القطاع العام عند نحو 1.13 مليون ليرة، بينما ارتفع خط الفقر المدقع للأسرة إلى 3.20 مليون ليرة، وخط الفقر الأعلى إلى 6.95 مليون ليرة. ويصف المركز هذه الفجوة بأنها أزمة هيكلية في كفاية الدخل، لا مجرد مشكلة مؤقتة ناجمة عن ارتفاع الأسعار.

أبعاد التحسن خارج كشف الراتب

هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن كل ما حدث خلال الفترة الماضية كان زيادة شكلية في الرواتب، فهناك جانب آخر من الصورة يتعلق بما يحصل عليه المواطن في المقابل من خدمات واستقرار اقتصادي.

وفي هذا السياق، أوضح أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، في تصريحات لنقلتها صحيفة “الوطن”، أن تقييم الوضع الحالي يحتاج إلى مقارنة أوسع من مجرد الراتب والأسعار.

وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن الحكم على الوضع الاقتصادي لا ينبغي أن ينفصل عن المرحلة السابقة، موضحاً أن الدخل الاسمي للمواطن كان في سنوات النظام السابق ضعيف القيمة، فيما كانت قطاعات أساسية من الخدمات تعاني نقصاً أو تعتمد على قنوات غير رسمية للحصول عليها.

ويرى أن جزءاً من التحول الحالي يتمثل في انتقال بعض الخدمات تدريجياً إلى إطار أكثر رسمية، بحيث يدفع المواطن مقابلاً معلنئ للخدمة التي يحصل عليها، بدلاً من دفع تكاليف إضافية عبر قنوات غير رسمية.

وبحسب الدكتور محمد، فإن المقارنة بين المرحلتين لا يجب أن تقتصر على عدد الليرات التي يحصل عليها الموظف نهاية الشهر، وإنما على ما يستطيع الوصول إليه فعلياً بهذه الليرات، مشيراً إلى أن بعض الخدمات التي كانت تتطلب في السابق مدفوعات إضافية خارج القنوات الرسمية أصبحت متاحة بصورة أكثر انتظاماً، وهو تغير يمثل مكسباً اقتصادياً لا يظهر مباشرة في كشف الراتب.

معايير قياس القوة الشرائية

وأضاف أستاذ التمويل والمصارف بجامعة حماة أن القوة الشرائية في الحالة السورية لا يمكن قياسها بمؤشر واحد مثل التضخم أو سعر الصرف، وإنما من خلال مجموعة مؤشرات تشمل السلع والخدمات المتاحة، وكلفة الحصول عليها، وعدد ساعات العمل اللازمة لتأمينها، إلى جانب استقرار الأسعار وسعر الصرف.

ومن وجهة نظره، فإن قدرة الأسرة على التخطيط لنفقاتها تصبح أكبر عندما تتراجع التقلبات الحادة في سعر العملة والأسعار، حتى إذا بقي مستوى الدخل منخفضاً.

وضرب الدكتور محمد مثالاً بالخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن المواطن قد يكون مضطراً في السابق إلى دفع مبالغ إضافية للحصول على الكهرباء أو الاتصالات أو الخدمات الأساسية، بينما يؤدي انتقال هذه الخدمات إلى قنوات رسمية إلى تغيير طبيعة الإنفاق نفسه.

ولكنه أكد في الوقت ذاته أن التحسن المعيشي لا يكتمل بمجرد انتظام الخدمة، بل يحتاج إلى أن تصبح كلفتها متناسبة مع دخل الأسرة.

وهنا تحديداً تكشف البيانات عن فجوة بين التحسن في بعض المؤشرات الكلية وبين القدرة الفعلية للأسر على تغطية احتياجاتها، فحتى مع تباطؤ التضخم وتحسن سعر الصرف، ظلت الأجور أقل بكثير من خطوط الفقر.

وقدر المركز السوري لبحوث السياسات في نيسان/ أبريل 2026 ارتفاع خط الفقر المدقع للأسرة إلى نحو 3.34 مليون ليرة، بينما لم تغط أجور الموظفين الجامعيين في القطاع العام سوى 33.9 بالمئة من هذا الخط.

شروط التحسن المعيشي الحقيقي

إن تحسن بعض الخدمات أو استقرار سعر الصرف لا يمكن استخدامه بديلاً عن قياس الدخل الحقيقي، فإذا ارتفع الراتب وارتفعت في الوقت نفسه كلفة الغذاء والسكن والطاقة والنقل بوتيرة أسرع، فإن القوة الشرائية للأسرة ستتراجع رغم زيادة الدخل الاسمي.

أما إذا تحسن انتظام الخدمات وانخفضت المدفوعات غير الرسمية بالتزامن مع استقرار الأسعار، فقد يشعر المواطن بتحسن في بعض جوانب حياته حتى قبل أن يصبح راتبه كافياً لتغطية كامل احتياجاته.

وشدد الدكتور عبد الرحمن محمد على أن الحد الأدنى للحكم على نجاح زيادة الأجور يجب أن يرتبط بقدرتها على مواكبة تكاليف الخدمات والاحتياجات الأساسية، مع وجود هامش يسمح للأسرة بالإنفاق على بنود أخرى غير الغذاء والطاقة، محذراً من اختزال التحسن الاقتصادي في الراتب وحده، لأن مستوى المعيشة يتأثر أيضاً بجودة الخدمات وانتظامها وكلفة الوصول إليها.

ويتقاطع ذلك مع تقييم صندوق النقد الدولي، الذي يرى أن الاقتصاد السوري دخل مسار تعافٍ، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة مواصلة دعم الفئات الأكثر ضعفاً، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، وتحسين كفاءة الإنفاق العام والقدرة على تمويل الخدمات الأساسية.

على الصعيد الميداني والتجاري، وبعد قفزة كبيرة في الأسعار، لوحظ أن اللحوم مجهولة المصدر بدأت تغزو الأسواق وتتخفى داخل اللحوم الطازجة، ما يزيد من التحديات التي تواجه المستهلك.

مؤشرات التعافي وميزانية الأسر

لا يعني التعافي الاقتصادي الكلي بالضرورة تعافياً مماثلاً في دخل الأسرة، فالبيانات المستقلة عن الأسعار والأجور تشير إلى أن السوريين ما زالوا يواجهون فجوة واسعة بين ما يحصلون عليه وما يحتاجون إليه لتغطية الحد الأدنى من المعيشة.

وفي نيسان، حذر المركز السوري لبحوث السياسات من أن الزيادات في أسعار الوقود والخبز يمكن أن تولد موجة تضخمية جديدة، ما يحد من أثر الزيادات الاسمية في الأجور ما لم تترافق مع سياسات حماية اجتماعية مباشرة.

وعليه، فإن الرواتب ارتفعت بالفعل، وتحسن سعر الصرف مقارنة بالمستويات السابقة، وتباطأ التضخم، كما أن بعض الخدمات تشهد تحسناً في الانتظام، لكن هذه المكاسب لم تتحول بعد إلى تحسن مماثل في القوة الشرائية بالنسبة إلى شريحة واسعة من الموظفين، لأن كلفة المعيشة لا تزال أعلى بكثير من الدخول.

وبذلك يصبح الاختبار الحقيقي لسياسة رفع الأجور أقل ارتباطاً بنسبة الزيادة المعلنة وأكثر ارتباطاً بما تغطيه هذه الزيادة من حياة الأسرة، فإذا كان الراتب الجديد لا يزال يغطي جزءاً محدوداً من سلة الاحتياجات الأساسية، فإن الزيادة تكون حقيقية من الناحية الاسمية، لكنها محدودة الأثر من الناحية المعيشية.

تعافٍ اقتصادي غير مكتمل

يبدو الاقتصاد السوري أمام تعافٍ غير مكتمل، فالمؤشرات الكلية تتحرك في اتجاه أفضل من سنوات الانهيار، لكن انتقال هذا التحسن إلى ميزانيات الأسر لم يحدث بالسرعة نفسها.

وتبقى قدرة الحكومة على كبح التضخم، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الإنتاج، وضبط كلفة الخدمات، وبناء شبكة حماية اجتماعية، هي العوامل التي ستحدد ما إذا كانت الزيادات المقبلة في الرواتب ستتحول إلى زيادة فعلية في القوة الشرائية أم ستظل عرضة لأن تلتهمها الأسعار.

الراتب الأعلى ليس بالضرورة دخلاً أعلى، فالمعيار النهائي هو ما يستطيع شراءه المواطن، وما يتبقى منه بعد دفع كلفة الحياة الأساسية.

وحتى تتقلص الفجوة بين الأجور وخطوط الفقر، سيظل من الأدق وصف الوضع بأنه تحسن في الدخل الاسمي يترافق مع تعافٍ اقتصادي تدريجي، وليس بعدُ تحسناً مكتمل الأركان في مستوى معيشة السوريين

 

اقرأ أيضاً:رغم إقرارها منذ أشهر.. موظفون يشكون عدم صرف الزيادات والرواتب في سوريا

اقرأ أيضاً:غموض وتأخير في صرف المستحقات.. ما حقيقة الخصومات على رواتب الصحة والتعليم العالي؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.