اشتباكات في إنخل تعيد سؤال السلاح المنفلت في درعا إلى الواجهة

لم تكن الاشتباكات التي اندلعت مساء الاثنين في مدينة إنخل، شمالي درعا، حادثاً أمنياً معزولاً بقدر ما بدت تذكيراً جديداً بأن ملف السلاح المنفلت لا يزال واحداً من أكثر الملفات استعصاءً أمام الحكومة السورية الانتقالية في الجنوب السوري.

واندلعت المواجهات بين دورية لقوى الأمن الداخلي ومجموعة من المطلوبين لفرع المباحث الجنائية، خلال حملة أمنية لملاحقتهم في الحي الشرقي من المدينة. وبحسب قوى الأمن الداخلي في درعا، أسفرت المواجهات عن إصابة عنصرين، واحتراق مركبة أمنية بعد استهدافها بقذيفة، فيما أعلنت الأجهزة الأمنية “تحييد” أحد المطلوبين ومواصلة ملاحقة الآخرين.

حملة أمنية تتحول إلى اشتباك مسلح

وفق المعطيات المحلية، بدأت المواجهات بعد مداهمة أمنية للحي، قبل أن يرد المطلوبون بإطلاق النار واستخدام قذائف وقنابل، ما أدى إلى تضرر مركبتين مدنيتين استخدمتهما الدورية خلال العملية.

ولم يكن المشهد جديداً تماماً. فالمجموعة نفسها اشتبكت مع دورية لقوى الأمن الداخلي في حزيران الماضي، من دون أن تتمكن الأجهزة الأمنية حينها من توقيف أفرادها. وتكشف عودة المجموعة إلى الواجهة بعد أسابيع أن الملاحقة الأمنية السابقة لم تُفضِ إلى إنهاء الملف، بل تركته مفتوحاً حتى انفجر مجدداً في مواجهة أكثر عنفاً.

ومع تصاعد الاشتباكات، بدأت أرتال عسكرية بالوصول إلى إنخل، وفرضت الأجهزة الأمنية حظر تجوال في المدينة، إلى جانب تطويق الحي الشرقي وقطع الطرق المؤدية إلى المنطقة.

إنخل.. سلاح خارج السيطرة

تعيش إنخل منذ سنوات على وقع اضطراب أمني لم تتمكن السلطات من تفكيكه بصورة نهائية. انتشار السلاح، وتجارة المخدرات، والخلافات المحلية والعشائرية، وعمليات السرقة وقطع الطرق، كلها عوامل راكمت واقعاً أمنياً هشاً، بحيث يمكن لخلاف محلي أن يتحول سريعاً إلى اشتباك مسلح.

وسبق أن شهدت المدينة في آذار 2023 مواجهات دامية بين مجموعتين محليتين، إحداهما كانت مرتبطة آنذاك بـ“اللواء الثامن”، على خلفية خلافات محلية وعشائرية، قبل أن تتدخل الوساطات الاجتماعية لاحتواء التصعيد.

لكن منطق التسويات المؤقتة يبدو عاجزاً عن معالجة أصل المشكلة: من يملك السلاح، ومن يملك قرار استخدامه، ومن يفرض القانون عندما تصبح القوة المحلية أقوى من قدرة المؤسسات الرسمية على الوصول إلى أطرافها؟

الدولة أمام اختبار أصعب من المداهمة

تكشف أحداث إنخل أن الحكومة السورية الانتقالية لا تواجه مجرد مطلوبين أمنياً، بل إرثاً كاملاً من الفوضى المسلحة التي تراكمت خلال سنوات الحرب. والمشكلة لا تنتهي بإلقاء القبض على مجموعة أو فرض حظر تجوال؛ فغياب معالجة مؤسساتية لملف السلاح والمخدرات والجريمة المنظمة يترك الباب مفتوحاً أمام تكرار المشهد في إنخل وغيرها.

وفي مدينة أنهكتها سنوات الانفلات، يصبح الأمن أكثر من دورية ومداهمة وأرتال عسكرية. إنه قدرة الدولة على فرض القانون بصورة مستمرة، لا بصورة موسمية، وعلى تحويل السلاح من أداة نفوذ محلي إلى استثناء يخضع للمؤسسات.

وحتى ذلك الحين، ستبقى إنخل مثالاً آخر على المسافة بين إعلان استعادة سلطة الدولة وبين قدرتها الفعلية على احتكار القوة وحماية سكانها من تداعياتها.

 

اقرأ ايضاً: تصاعد الفلتان الأمني في ريف درعا: اشتباكات، اغتيالات وانفلات سلاح

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.