الصادرات الزراعية السورية تتجه إلى الخليج.. مزارع يبيع للخارج ومواطن يدفع الثمن

تبدو حركة الشاحنات والبرادات المحمّلة بالخضار والفواكه السورية نحو الأسواق الخليجية كإشارة إلى عودة الزراعة إلى دورة التجارة الخارجية، لكن خلف هذا المشهد سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يبقى للمستهلك السوري حين يصبح تصدير المحصول أكثر جدوى من بيعه في سوق محلية أنهكتها الأسعار وتراجعت فيها القدرة الشرائية؟

فبين 1 تموز و4 آب، بلغت صادرات الخضار والفواكه السورية إلى دول الخليج نحو 24.5 ألف طن، حملتها 984 براداً، وفق بيانات حصلت عليها صحيفة «الثورة السورية». وتصدرت الإمارات الوجهات الخليجية بـ305 برادات، تلتها الكويت بـ230، والسعودية بـ226، ثم قطر والبحرين وسلطنة عُمان.

الأرقام تعكس حركة تصدير نشطة، لكنها لا تكفي وحدها لقراءة حال القطاع الزراعي، الذي ما يزال يقف على أرض هشة؛ فزيادة الكميات الخارجة من البلاد لا تعني بالضرورة أن الزراعة استعادت عافيتها، ولا أن المزارع بات يعمل في بيئة إنتاج مستقرة.

سوق خارجية تتسع.. وداخلية تضيق

يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس أن تحسن الظروف الأمنية وتسهيل حركة الشاحنات والاتفاقيات التجارية أسهمت في دفع الصادرات الزراعية إلى الأسواق الخليجية، بالتزامن مع عودة بعض المزارعين إلى أراضيهم وإعادة استثمار مساحات كانت متوقفة خلال السنوات الماضية.

لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يظهر داخل السوق السورية. فكلما اتسعت نافذة التصدير، انخفضت الكميات المتاحة محلياً، ما قد يرفع أسعار بعض المحاصيل، ولا سيما الموسمية منها. وفي بلد يعيش فيه جزء كبير من السكان تحت ضغط دخل متآكل وأسعار متصاعدة، يصبح ارتفاع سعر كيلو الخضار أو الفاكهة أكثر من مجرد نتيجة اقتصادية؛ إنه اقتطاع إضافي من مائدة الأسر.

المشكلة هنا ليست في التصدير بحد ذاته، بل في غياب قدرة إنتاجية كافية تسمح لسوريا بأن تصدّر دون أن تجعل المواطن ينافس الأسواق الخارجية على محصول أرضه.

الزراعة السورية.. إنتاج بلا حماية كافية

ورغم الحديث عن نمو الصادرات، لا تزال الزراعة السورية تواجه قائمة طويلة من الأزمات: ارتفاع تكاليف الأسمدة والبذار والمبيدات، صعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج، تضرر شبكات الري، نقص مصادر المياه، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إلى جانب ضعف التمويل والإجراءات المصرفية التي تعيق التجارة.

ويبدو أن الحكومة السورية الانتقالية ما تزال مطالبة بتحويل ملف الزراعة من سياسة التعامل مع النتائج إلى معالجة جذور الأزمة. فإعادة تأهيل قنوات الري، وتوسيع المساحات المزروعة، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار يمكن للمزارع تحملها، ليست تفاصيل ثانوية إذا كانت البلاد تريد بناء قطاع قادر على التصدير والاستمرار في الوقت نفسه.

فالمنتج السوري قد يجد طريقه إلى الخليج، لكن الأرض التي تنتجه تحتاج إلى ماء، والمزارع يحتاج إلى تمويل، والسوق المحلية تحتاج إلى محصول بأسعار يستطيع المواطن شراءه.

حين يصبح نجاح التصدير عبئاً على المستهلك

يقول الدبس إن المزارع سيكون المستفيد الأكبر من توسع التصدير، إذ ترتفع فرص تصريف إنتاجه وتحسين عوائده. غير أن هذه الفائدة تبقى ناقصة إذا لم تترافق مع سياسة تضمن التوازن بين التصدير والأمن الغذائي المحلي.

وتزداد حساسية المسألة في ظل انخفاض القدرة الشرائية؛ فالمواطن لا يملك رفاهية النظر إلى ارتفاع الصادرات بوصفه مؤشراً اقتصادياً مجرداً. بالنسبة إليه، المعيار أبسط: هل يستطيع شراء البطاطا والبندورة والفواكه التي تنتجها بلاده؟

لذلك، فإن أي توسع تصديري لا يسبقه رفع للإنتاج وتحسين للإنتاجية قد يتحول إلى مفارقة اقتصادية: محصول سوري يغادر الحدود بحثاً عن سعر أعلى، فيما يرتفع سعره داخل البلد الذي زرعته أرضه.

طفرة مؤجلة بشروط ثقيلة

تمتلك سوريا فرصة حقيقية لتوسيع صادراتها الزراعية، خصوصاً مع اتساع الطلب الخليجي، لكن تحويل هذه الفرصة إلى نمو مستدام يحتاج إلى أكثر من تسهيلات عبور الشاحنات. المطلوب إعادة بناء القطاع من أساسه، بدءاً من المياه والري، مروراً بمستلزمات الإنتاج والتمويل، وصولاً إلى التخزين والتوضيب والنقل والتسويق.

وتبقى السعودية سوقاً ذات قدرة استيعابية كبيرة، بحسب الدبس، إلا أن مضاعفة الصادرات إليها أو إلى غيرها من الأسواق تعني حكماً مضاعفة الإنتاج أولاً.

وهنا تكمن العقدة: سوريا لا تحتاج فقط إلى تصدير المزيد، بل إلى إنتاج المزيد. وإلا فإن نجاح البرادات العابرة للحدود قد يأتي على حساب موائد السوريين، في مشهد يلخص مأزق الزراعة اليوم: قطاع يحاول استعادة موقعه في الخارج، بينما لا تزال حكومته عاجزة عن تأمين الشروط التي تجعل هذا التعافي محسوساً في الداخل.

اقرأ أيضاً: تحديات التسويق والتصدير تضع المنتجات الزراعية السورية أمام اختبارات مرهقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.