وفرة المحصول وخسارة الفلاح.. لماذا لا تنقذ الزراعة السورية أصحابها؟
لم يكن أبو أحمد، أحد مزارعي ريف حماة، يتوقع أن ينتهي موسم الخضراوات الذي دخله بتفاؤل إلى خسارة. فالأمطار كانت أفضل من مواسم سابقة، ومنسوب نهر العاصي تحسن، والإنتاج جاء جيداً، لكن عند لحظة البيع انقلبت المعادلة: محصول وفير، وسعر لا يغطي كلفة إنتاجه.
هذه المفارقة تختصر أزمة أوسع في الزراعة السورية؛ فالمشكلة لم تعد دائماً في قدرة الأرض على الإنتاج، بل في منظومة عاجزة عن تحويل هذا الإنتاج إلى دخل يحمي المزارع من الخسارة. وبين أسعار البذار والأسمدة والمحروقات والنقل وأجور العمال، يجد الفلاح نفسه مضطراً إلى بيع محصوله مهما كان السعر، لأن تركه في الأرض يعني خسارة المحصول، وقطافه بسعر متدنٍ قد يعني خسارة أكبر.
من الحقل إلى السوق.. خسارة تتسع
في ريف حمص، يواجه المزارعون المعادلة نفسها. يقول أبو خالد من الزعفرانة إن ارتفاع أجور العمال، ولا سيما تكاليف القطاف والجمع، أصبح جزءاً ثقيلاً من تكلفة الإنتاج، فيما لا تواكب أسعار السوق هذا الارتفاع.
أما أبو تحسين من الغنطو، الذي يستأجر الأرض ويتحمل كامل نفقات زراعتها، فيرى أن تراجع الأسعار حوّل توقعات الربح إلى خسائر، بعدما شجعت الأسعار المرتفعة في بداية الموسم مزارعين على زيادة زراعة بعض المحاصيل.
ولم تعد صور إتلاف الخيار والباذنجان بسبب انخفاض الأسعار مجرد مشاهد عابرة؛ إنها مؤشر إلى خلل في إدارة فائض الإنتاج. ومع ذلك، فإن تحميل التجار وحدهم مسؤولية الأزمة يبقى تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فتجار سوق الهال يشيرون إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء والإيجارات والعمال والنقل، وإلى محدودية الأسواق القادرة على استيعاب الكميات المنتجة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يقع في مكان آخر: أين التخطيط الذي كان يفترض أن يعرف مسبقاً حجم الإنتاج المتوقع، وحاجة السوق، وما يمكن تصديره أو تصنيعه؟
حين يتحول الإنتاج الجيد إلى مشكلة
يرى المستشار الاقتصادي الدكتور أسامة القاضي أن إتلاف المحاصيل يكشف غياب منظومة متكاملة تربط الزراعة بالصناعة والتصدير. فالمزارع الذي لا يملك سوى خيار بيع محصوله طازجاً خلال أيام قليلة يبقى رهينة لسعر السوق في لحظة الذروة.
وهنا يظهر جانب من التقصير المؤسسي؛ إذ لا يكفي أن تزداد المساحات المزروعة أو تتحسن الظروف المناخية، بينما تظل سلاسل التخزين والتبريد والتوضيب والتصنيع محدودة، ولا تتوافر للمزارع معلومات كافية تساعده على اختيار المحصول والمساحة قبل بدء الموسم.
وكان يمكن للقطاع العام، عبر وزارة الزراعة والجهات الاقتصادية المعنية، أن يؤدي دوراً أكبر في تنظيم هذه العملية، من خلال قواعد بيانات دقيقة للإنتاج، وإرشاد المزارعين إلى حجم الطلب المتوقع، وتنسيق المساحات المزروعة، وفتح قنوات تسويق قبل وصول المحاصيل إلى مرحلة الوفرة.
غياب هذه الأدوات يجعل المزارع يتصرف غالباً وفق أسعار الموسم السابق، فتتكرر الدورة نفسها: محصول واعد، توسع في الزراعة، وفرة في السوق، انهيار في الأسعار، ثم خسائر وإتلاف.
التصدير وحده ليس حلاً
فتح الأسواق الخارجية قد يخفف الضغط عن السوق المحلية، لكنه ليس مفتاحاً سحرياً. فالأسواق الأوروبية، على سبيل المثال، تفرض شروطاً صارمة تتعلق بسلامة الغذاء ومتطلبات التتبع ومتَبقيات المبيدات والشهادات الصحية، فضلاً عن الحاجة إلى مراكز فرز وتوضيب وسلاسل تبريد ونقل قادرة على الحفاظ على المنتج.
ويشير الباحث في الشأن الاقتصادي السوري ملهم جزماتي إلى أن الفارق بين سعر المحصول في الحقل وسعره النهائي خارج سوريا لا يعني بالضرورة وجود طرف يستحوذ على كامل الفارق، إذ تمر السلعة بسلسلة طويلة من الفرز والتوضيب والتبريد والنقل والتأمين والوساطة.
المشكلة، وفق ذلك، أن سوريا لا تزال تفتقر إلى سلسلة قيمة متماسكة تستطيع تحويل ميزتها الزراعية إلى قدرة تنافسية مستدامة.
الزراعة السورية أمام اختبار الإدارة
تملك سوريا مقومات زراعية مهمة، لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي. فحين يتحول فائض الخيار والباذنجان إلى عبء، بينما تحتاج أسواق أخرى إلى منتجات بأسعار أعلى، فإن الخلل لا يكون في الأرض أو الفلاح وحده، بل في طريقة إدارة الدورة الاقتصادية بأكملها.
وتحتاج الحكومة السورية الانتقالية إلى الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى التخطيط للمواسم قبل بدايتها: قاعدة بيانات للإنتاج، تنظيم المساحات الزراعية، تطوير التخزين والتبريد، دعم التصنيع الغذائي، وتسهيل التصدير وفق معايير واضحة.
فالمشكلة ليست أن سوريا تنتج كثيراً، بل أنها ما تزال عاجزة عن إدارة ما تنتجه. وفي بلد يحتاج فيه المزارع إلى كل موسم كي يبقى واقفاً، يصبح تركه يواجه السوق وحده، ثم البحث عن حلول بعد انهيار الأسعار، وصفة متكررة لخسارة الأرض ومن يزرعها معاً.
اقرأ ايضاً: الأمن الغذائي في مهب الأزمات.. هل أخفقت الحكومة السورية في إنقاذ الزراعة والصناعة؟