ذبابة التين تضرب ريف إدلب.. موسم مهدد وغياب الإرشاد يضاعف خسائر المزارعين
لم يكن تساقط ثمار التين قبل نضوجها مجرد خسارة موسمية عابرة لمزارعي ريف إدلب، بل إنذاراً جديداً يضاف إلى قائمة طويلة من الأعباء التي تثقل الزراعة السورية. ففي قرى وبلدات عدة، بدأت ذبابة التين تضرب الأشجار وتلتهم جزءاً من محصول ينتظره مزارعون يعتمدون عليه مورداً أساسياً للعيش، فيما وجد كثير منهم أنفسهم أمام آفة لا يعرفون تشخيصها ولا سبل مكافحتها.
المشكلة لم تكن في ظهور الحشرة وحده، بل في أن المزارعين واجهوها في ظل نقص واضح في الإرشاد الزراعي والكوادر المختصة. ففي كفر جالس بريف إدلب، يقول المزارع محمد إسماعيل شاهين إن الأضرار طالت بعض الأشجار بنسب وصلت إلى 80 بالمئة، بينما لم يجد المزارعون، بحسب إفادته، جهة مختصة تقدم لهم تشخيصاً سريعاً أو حلاً واضحاً، رغم وجود وحدة إرشادية تفتقر إلى مشرف زراعي.
وفي معرة حرمة، لا تبدو الصورة أقل قسوة؛ فمزارعون يعتمدون على التين في تأمين ما يصل إلى 60 أو 80 بالمئة من دخلهم، وجدوا نحو نصف محصولهم مهدداً، فيما كانت عائلات عائدة من النزوح تعوّل على الموسم لتأمين احتياجات العودة وترميم ما تبقى من حياتها.
آفة معروفة.. واستجابة متأخرة
بحسب المشرف الزراعي في جبل الزاوية، المهندس حسن مغلاج، فإن ذبابة ثمار التين السوداء تهاجم الثمار خلال أيار وحزيران، وتضع بيوضها داخلها، قبل أن تتغذى اليرقات على الثمار وتتسبب بتلفها وتساقطها. وقد بلغت نسبة الإصابة في بعض مناطق جبل الزاوية نحو 40 بالمئة، فيما يمكن أن تصل الخسائر إلى 80 بالمئة عند غياب التدخل في الوقت المناسب.
وتبدو المفارقة واضحة: الآفة لها دورة حياة معروفة، وأعراضها قابلة للرصد، ووسائل مكافحتها محددة، من المصائد وجمع الثمار المصابة وإتلافها، إلى الحراثة العميقة والمكافحة الكيميائية عند الحاجة؛ لكن المزارع لا يصل إلى هذه المعرفة بالسرعة التي يحتاجها الموسم.
وهنا تتحول مشكلة زراعية قابلة للاحتواء إلى أزمة دخل، لأن التأخر في التشخيص لا ينتظر المؤسسات. الحشرة لا تحتاج إلى كتاب رسمي كي تنتشر، بينما يحتاج المزارع إلى جهاز إرشاد حاضر في الحقل قبل أن تتحول الإصابة إلى خسارة.
الحكومة الانتقالية أمام اختبار الإرشاد الزراعي
تؤكد مديرية زراعة إدلب أنها تتابع الواقع الزراعي عبر جولات ميدانية، وأنها رصدت بالفعل إصابات بذبابة ثمار التين، وقدمت إرشادات تتعلق بجمع الثمار المتساقطة وإتلافها واستخدام المصائد الغذائية لمراقبة نشاط الحشرة وتحديد توقيت المكافحة.
كما تشير المديرية إلى تنظيم ندوات وورشات حقلية، كان آخرها ورشة متخصصة بشجرة التين في 30 تموز الماضي، والعمل بالتنسيق مع وزارة الزراعة على دعم المزارعين.
لكن هذه الإجراءات، حتى إن كانت قائمة على الورق، لا تبدو كافية في نظر المزارعين الذين يقولون إنهم اكتشفوا حجم المشكلة بأنفسهم، بعد أن بدأ المحصول بالتساقط. فالاستجابة التي تصل بعد ظهور الخسارة ليست بديلاً عن الإرشاد الوقائي الذي يسبقها.
ولا تكمن المشكلة فقط في تأمين المبيد، بل في بناء منظومة تستطيع الوصول إلى المزارع في الوقت المناسب، وتشخيص الآفة، وتحديد درجة انتشارها، وتقديم توصية موحدة وآمنة للمكافحة، ومتابعة النتائج ميدانياً.
التين بين الخسارة والموسم المهدد
لا يمثل التين محصولاً ثانوياً في ريف إدلب؛ فهو يرتبط بمصدر دخل عائلات تعتمد على ثماره الخضراء واليابسة، كما يدخل في الصناعات الغذائية، فيما تصدر بعض منتجاته إلى خارج سوريا.
وبذلك فإن استمرار انتشار الذبابة من دون مسح شامل وتدخل مبكر يهدد أكثر من موسم زراعي. فالمزارع الذي يخسر جزءاً كبيراً من إنتاجه لن يخسر الثمار فقط، بل سيتحمل تكاليف الأسمدة والتقليم والحراسة والخدمة التي أنفقها طوال العام، ثم يواجه سوقاً لا تعوضه عن خسارته.
المطلوب من الحكومة السورية الانتقالية، في هذه الحالة، يتجاوز إصدار الإرشادات بعد ظهور الإصابة. فالزراعة التي يفترض أن تكون أحد روافع التعافي الاقتصادي لا يمكن أن تترك المزارع وحيداً أمام آفة تتكاثر أسرع من قدرة المؤسسات على الوصول إليه.
وإذا كانت مديرية الزراعة تؤكد استمرار الجولات والدعم، فإن المعيار الحقيقي لذلك لن يكون عدد الورشات المنفذة، بل عدد الأشجار التي جرى إنقاذها، وحجم المحصول الذي سيصل إلى الأسواق، وقدرة المزارع على مواجهة الموسم المقبل قبل أن تبدأ الخسارة من جديد.
اقرأ ايضاً: مزارعو الفستق السوري يواجهون تحديات الجفاف والحشرات