حلب بلا ماء.. صيف قاسٍ يكشف هشاشة شبكة أنهكتها سنوات الانهيار
في مدينة اعتادت أن تقاوم أزماتها، تحولت المياه خلال الأسابيع الماضية إلى اختبار يومي قاسٍ لسكان حلب. فالصنابير التي يفترض أن تكون مصدراً ثابتاً للحياة أصبحت مرتبطة بانتظار طويل وجداول غير مستقرة، فيما باتت الصهاريج ملاذاً اضطرارياً للأسر، بأسعار تضيف عبئاً جديداً إلى واقع معيشي مثقل بالأزمات.
أحياء واسعة من المدينة وريفها وجدت نفسها أمام انقطاعات طويلة وتراجع في كميات الضخ، في مشهد أعاد تسليط الضوء على هشاشة قطاع المياه، وعلى حجم الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة وقدرة البنية التحتية المتآكلة على الاستجابة.
صهاريج بأسعار مرتفعة.. والمياه تتحول إلى عبء
في أحياء الزبدية والأنصاري والأنصاري الشرقي والجميلية والسكري، غابت مياه الشرب لفترات امتدت أسابيع، وفق شهادات سكان تحدثوا عن اضطرارهم لشراء المياه من الصهاريج رغم ارتفاع أسعارها.
ويقول محمد اسكيف إن سعر ألف ليتر من المياه ارتفع خلال الفترة الأخيرة إلى ما بين 100 و150 ألف ليرة سورية، بعد أن كان بحدود 75 ألفاً، موضحاً أن هذا الارتفاع ضاعف الضغط على الأسر التي تعتمد أصلاً على دخل محدود.
أما سامر بوادقجي من حي الإذاعة، فيشير إلى أن ضعف الضخ ليس جديداً بسبب طبيعة المنطقة الجغرافية، لكن طول فترة الانقطاع الحالية جعل الوضع أكثر صعوبة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وغياب مواعيد واضحة لوصول المياه.
وفي حيي حلب الجديدة والحمدانية، تحدث السكان عن انخفاض كميات الضخ وتبدل البرامج المخصصة للتوزيع، بينما تتكرر الشكاوى في ريف حلب، ولا سيما في دارة عزة، حيث يطالب الأهالي بإصلاح المضخات الرئيسية المغذية للمنطقة.
اعتذار رسمي أمام أزمة متراكمة
تقر المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في حلب بحجم المشكلة، حيث أكد مديرها أحمد حسن الشيخ أن الشركة تدرك معاناة الأهالي، مقدماً اعتذاراً عن استمرار الانقطاعات، ومؤكداً أن الفرق الفنية تعمل لمعالجة الأسباب.
وأوضح الشيخ أن الأزمة لا ترتبط بعامل واحد، بل نتيجة تراكمات طويلة تشمل أعطال منظومات الضخ، وتقادم أجزاء من الشبكات، وارتفاع نسبة الفاقد المائي، إضافة إلى عدم استقرار التغذية الكهربائية لبعض المحطات، والتعديات على خطوط الكهرباء التي تؤثر في تشغيل المضخات.
لكن هذه التبريرات، رغم واقعيتها الفنية، تكشف في الوقت ذاته حجم الإهمال الذي أصاب أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بحياة المواطنين، إذ لم تعد المشكلة مجرد عطل طارئ، بل نتيجة بنية تحتية وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها إلى إعادة بناء واسعة لا إلى حلول إسعافية متكررة.
حلول طارئة لواقع يحتاج إلى تغيير جذري
لمواجهة الأزمة، أعلنت الجهات المحلية تأمين المياه للأحياء المتضررة عبر الصهاريج بدعم من محافظة حلب، إلى جانب رفع جاهزية الآبار والمحطات وتنفيذ أعمال الصيانة العاجلة.
كما أعلن محافظ حلب عزام الغريب تشكيل غرفة طوارئ مشتركة بين مؤسستي المياه والكهرباء، وتمويل عشر ورش صيانة إضافية بهدف تسريع معالجة الأعطال.
إلا أن الاعتماد المستمر على الحلول الطارئة يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة السورية الانتقالية على الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى معالجة جذور المشكلة، خصوصاً في ظل حاجة الشبكات والمحطات إلى مشاريع تحديث شاملة.
شبكة قديمة تواجه صيفاً أصعب
تأتي أزمة المياه في حلب ضمن واقع أوسع تعاني منه البنية التحتية السورية، حيث تجاوزت أجزاء من خطوط النقل الرئيسية عمرها التشغيلي، وتعرضت شبكات واسعة للأضرار خلال سنوات الحرب، إضافة إلى تراجع الموارد المائية بسبب انخفاض الهطولات المطرية وارتفاع درجات الحرارة.
وكانت محافظة حلب قد وقعت مؤخراً عقود أربعة مشاريع لدعم التعافي المبكر وتحسين الخدمات الأساسية، تشمل تأهيل شبكات ومحطات المياه بالتعاون مع جهات دولية، في محاولة لتحسين كفاءة المنظومة.
لكن حجم الاحتياجات يبدو أكبر من المشاريع المنفذة حالياً، فمدينة بحجم حلب لا تحتاج فقط إلى إصلاح الأعطال عند وقوعها، بل إلى خطة طويلة الأمد تعيد بناء قطاع المياه على أسس حديثة.
فأزمة المياه الحالية ليست مجرد انقطاع في الأنابيب، بل صورة مصغرة لأزمة أعمق: بنية خدمية أنهكتها سنوات الحرب والإهمال، ومواطنون يجدون أنفسهم مجدداً أمام فاتورة انهيار لم يكن لهم دور في صنعه.
اقرأ أيضاً: حافلات حلب تحت الاختبار.. تنظيم الدائري الشمالي يكشف أزمة النقل العام المزمنة