مستقبل شرق الفرات: هل ينجح الدمج أم تتعمق إدارة الانقسام في سوريا؟

انتهى اللقاء بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي في 4 آب 2026 دون صدور بيان تنفيذي يحسم آليات تطبيق اتفاق 29 كانون الثاني، أو يحدد جدولاً زمنياً لانتقال المؤسسات العسكرية والإدارية إلى سلطة الدولة.

يكشف هذا التعثر أن الخلاف تجاوز الشكل السياسي إلى صراع أعمق حول إدارة الأرض والموارد الحيوية، وشبكات الحركة والنفوذ في شمال شرقي سوريا، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يتجه الملف نحو استعادة كاملة لسيادة الدولة على السلاح والنفط والحدود، أم نحو صيغة هجينة تحتفظ فيها “قسد” ببنيتها التنظيمية تحت غطاء رسمي؟

عقد النفوذ الجغرافي: النفط والقمح في قلب المفاوضات

تتجاوز خريطة الصراع الحدود الإدارية لتتركز في “العقد الجغرافية” الحاكمة للمنطقة الشرقية:

  • ملف النفط والطاقة: بالتزامن مع المحادثات، أثيرت مباحثات تطوير حقول رميلان مع شركة HKN الأمريكية لرفع الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً. تشكل هذه الإيرادات شريان حياة لدمشق لتمويل إعادة الإعمار، بينما تراها “الإدارة الذاتية” ضامناً لتمويل مؤسساتها والتفاوض من موقع قوة.

  • الأمن الغذائي والقمح: قدر الفاو إنتاج الحبوب في سوريا لعام 2025 بنحو 1.2 مليون طن فقط، مع حاجة لاستيراد 3 ملايين طن من القمح. هذا الخلل جعل السيطرة على صوامع وأراضي الحسكة والرقة مسألة أمن غذائي وطني لا مجرد شأن محلي.

  • المعابر والخدمات: تشكل السيطرة على الطرق الدولية وشبكات الري والكهرباء المتصلة بنهر الفرات أدوات رئيسية لتحصيل الإيرادات وتنظيم حركة السكان.

إشكالية الدمج العسكري: بين تفكيك السلاح وبقاء الكتلة المنظمة

يمثل ملف الهيكلة العسكرية والأمنية العقبة الكأداء أمام أطراف التفاوض:

  1. رؤية دمشق: المصرّة على الدمج الفردي وفق قوائم تفحص أمنياً وتخضع للتسلسل القيادي الوطني لوزارتي الدفاع والداخلية، تفادياً لخلق تشكيل موازٍ داخل الجيش.

  2. موقف “قسد”: السعي للحفاظ على تماسك المجموعات والكتل التنظيمية، مثل “وحدات حماية المرأة”، لوقايتها من التفكيك وضمان وزن سياسي مستقبلي.

  3. الأمن الداخلي: رغم البدء بمقابلات وفحص وثائق لنحو 9 آلاف عنصر من الأمن الداخلي (بينهم ألف امرأة) للانضمام لوزارة الداخلية، إلا أن الخلافات السياسية لا تزال تبطئ الإجراءات الفنية.

المعادلة الإقليمية والدولية: التوافق التركي – الأمريكي

تتحرك التسوية تحت مجهر القوى الإقليمية والدولية الفاعلة:

  • الموقف التركي: يُرحّب باتفاق الدمج شريطة إنهاء الصلة بين “قسد” وحزب العمال الكردستاني، وتأمين الحدود السورية – التركية ومكافحة التشكيلات التي تصنفها أنقرة إرهابية.

  • الدور الأمريكي: يركز على استمرار التنسيق مع التحالف الدولي في ملف مكافحة تنظيم “داعش” وتأمين السجون والمخيمات، مما يمنح واشنطن قدرة على التثبيت التكتيكي ومسك عصا التوازن بين دمشق وقسد.

تحديات الشرعية والمواطنة في الشمال الشرقي

تفرض التعددية القومية والدينية في الحسكة والقامشلي وريفيهما (عرب، كرد، سريان، وآشور) استحقاقات تتجاوز السيطرة العسكرية:

  • الاعتراف بالحقوق: تضمن الاتفاق الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد، معالجة ملفات الملكية، وتعيين محافظ للحسكة، وإبقاء شرطة محلية في عين العرب مرابطة بوزارة الداخلية.

  • اختبار الحوكمة: تؤكد المعطيات أن استعادة السيطرة الإدارية لن تحقق الاستقرار ما لم تترافق مع تمثيل متعدد، ومحاسبة مالية وإدارية شفافة، وتوزيع عادل لعائدات الثروات الوطنية بين المركز والأطراف.

إدارة الأزمة أم نقل السلطة؟

يُظهر التقدم الميداني البطيء – كدخول عناصر وزارة الداخلية لبعض مراكز الحسكة والقامشلي وتعيين مبعوثين رئاسيين – أن المفاوضات نقلت الصراع من خطوط التماس العسكرية إلى أروقة السجلات والرواتب وسلاسل القيادة.

ويبقى المعيار الحقيقي لنجاح هذا المسار ليس في توقيع وثائق جديدة أو عقد لقاءات رفيعة المستوى، بل في إنهاء ازدواجية مرجعية القرار، وانتقال الخلافات إلى مؤسسات وطنية موحدة وقابلة للمحاسبة.

إقرأ أيضاً: هل اقتراب حسم ملف قسد؟؟.. الشرع وعبدي يبحثان استكمال اتفاق الاندماج

إقرأ أيضاً: هل تحل قسد نفسها فعلاً..؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.