فوضى استبدال العملة في الرقة… سوق مرتبكة ومواطنون عالقون بين ندرة النقد وجشع الصرافين

لم تكن أزمة استبدال العملة السورية القديمة في محافظة الرقة مجرد إجراء مالي متعثر، بل تحولت إلى مشهد يومي من الارتباك والانتظار والخسائر، بعدما وجد آلاف المواطنين أنفسهم عالقين بين غياب مراكز التبديل الكافية، وندرة العملة الجديدة، وسوق صرف مضطربة فتحت الباب أمام استغلال حاجة الناس.

وفي الوقت الذي يفترض أن تكون عملية الانتقال النقدي خطوة تنظيمية تعيد ترتيب التعاملات المالية، تحولت في الرقة إلى أزمة جديدة أثقلت الأسواق، وأربكت حركة البيع والشراء، وكشفت هشاشة الإجراءات التنفيذية على الأرض.

ليرة قديمة بسعرين… وسوق بلا مرجعية واضحة

تشهد أسواق الرقة اضطراباً في سعر صرف العملة السورية القديمة أمام الدولار، إذ بلغ سعر الدولار نحو 20 ألف ليرة قديمة، في حين سجل سعر صرف الليرة السورية الجديدة نحو 130 ليرة للدولار الواحد، ما يجعل السعر المفترض للعملة القديمة قريباً من 13 ألف ليرة للدولار.

هذا الفارق خلق مساحة واسعة للمضاربة، وأدخل المواطنين في دوامة من الحسابات والخسائر، خصوصاً مع رفض عدد من التجار وأصحاب المحال قبول العملة القديمة، مقابل محدودية انتشار العملة الجديدة في الأسواق.

وبينما أعلن مصرف سوريا المركزي تمديد مهلة سحب العملة القديمة في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة حتى 20 آب، بقي السؤال الأساسي لدى الأهالي: أين هي المراكز القادرة على استيعاب هذا العدد الكبير من المواطنين؟

طوابير بلا نهاية وصرافون يملكون زمام الأزمة

مع صعوبة الوصول إلى مراكز الاستبدال الرسمية، اضطر بعض المواطنين إلى اللجوء إلى محال الصرافة، حيث وجدوا أنفسهم أمام أسعار غير مستقرة وشروط مجحفة.

ويقول المواطن أحمد الخليل إنه توجه إلى سوق الصرافة في شارع المنصور بمدينة الرقة بعد فشله في الحصول على دور لدى البريد، لكنه فوجئ بعرض أحد الصرافين استبدال مليوني ليرة سورية قديمة مقابل 100 دولار فقط، وهو سعر يقل بشكل كبير عن القيمة المفترضة للعملة.

ويشير الخليل إلى أن قلة عدد مراكز الاستبدال وعدم قدرتها على استيعاب الطلب أدى إلى أزمة خانقة، قائلاً إن الحركة التجارية في المحافظة تراجعت بشكل كبير، بعدما أصبح كثير من المواطنين والتجار غير قادرين على إتمام معاملاتهم اليومية.

الأسواق تدفع ثمن التخبط

انعكست أزمة العملة مباشرة على أسواق الرقة، حيث توقفت أو تباطأت عمليات البيع والشراء في عدد من المناطق، نتيجة الخلاف حول قبول العملة القديمة، وعدم توفر البديل الجديد بكميات كافية.

وفي مدينة السبخة بريف الرقة الشرقي، خرج مواطنون للاحتجاج أمام مركز البريد بسبب عدم توفر خدمة استبدال العملة، رغم الإعلان عن افتتاح المركز لهذه الغاية.

ويحمل الأهالي الجهات المعنية مسؤولية تأخر معالجة الأزمة، مطالبين بزيادة عدد مراكز التبديل، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، ومنع تحويل المرحلة الانتقالية للعملة إلى فرصة لتحقيق أرباح على حساب المواطنين.

إجراءات متأخرة لضبط السوق

أمام تصاعد الشكاوى، نفذ فرع المباحث الجنائية حملة على مكاتب الصرافة والحوالات المالية في مدينة الرقة، أسفرت عن توقيف ثلاثة صرافين بتهم تتعلق باستغلال المواطنين والتلاعب بأسعار الصرف.

لكن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، لا تعالج أصل المشكلة، إذ يرى مراقبون أن ضبط السوق يحتاج إلى حضور مؤسساتي أكبر، وتوسيع شبكة الاستبدال الرسمية، وتوفير العملة الجديدة بكميات كافية قبل فرض الانتقال الكامل من العملة القديمة.

تكشف أزمة الرقة أن الإصلاحات النقدية لا تُقاس فقط بالقرارات الصادرة من المراكز المالية، بل بقدرة المؤسسات على تنفيذها في المدن والمناطق البعيدة عن المركز. فحين يغيب التنظيم الكافي، تتحول الإجراءات الاقتصادية من أداة للاستقرار إلى مصدر جديد للقلق، ويجد المواطن نفسه مجدداً في مواجهة سوق لا يملك مفاتيحها.

 

اقرأ أيضاً: بعد انتهاء استبدال العملة السورية.. نقص “الفكة” يربك الأسواق ويزيد أعباء المواطن

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.